نسبةُ كتاب «تسفيه الغبي» إلى السيوطي، وتكفيرُه بالدفاع عن ابن عربي
نصّ الشبهة
عرض عبد الرحمن دمشقية على الشاشة صورةَ غلاف كتاب «تسفيه الغبي في تنزيه ابن عربي»، ونسبه إلى الإمام السيوطي، ثم خاطب علماء الشام قائلًا: «يا أيتها اللجنة الشامية، كيف تتبرؤون من رجلٍ طعن في السيوطي؟! وأقلُّ ما عند السيوطي - يا أيها السلفيون - تأليفُه كتابَ تسفيه الغبي في تبرئة ابن عربي».
ثم ساق كفريات ابن عربي في «الفصوص» و«الفتوحات»: «فيحمدني وأحمده، ويعبدني وأعبده»، و«فوقتًا يكون العبد ربًّا بلا شك»، وقولَه بوحدة الوجود وبإيمان فرعون وبأن الله لا يعلم الغيب، ثم قال: «قالها ابن عربي، ودافع عنه السيوطي، فتطعنون في ابن شمس الدين إكرامًا للسيوطي المدافع عن ابن عربي صاحب وحدة الوجود؟! وتجتمعون للتبرئة منه من أجل من دافع عن ابن عربي؟».
وتحدّى علماء الشام أن يفتوا بكفر ابن عربي وكفرِ من عظّمه فقال: «هل تتجرؤون أن تصدروا فتوى بكفر ابن عربي؟ والله أنا أتحداكم، لن تصدروا مثل هذا. اجتمعوا وأخرِجوا لي بالإجماع أن ابن عربي كافر، وأن من عظّمه كافر، ومن دافع عنه كافر». ثم قال: «لو لم يكن من أسباب تكفير السيوطي إلا تأييدُه لابن عربي». وأضاف مطاعن أخرى: أن السيوطي «جاوز القنطرة لمجرد أنه كتب كتاب الإتقان في علوم القرآن»، وأنه «استهزأ بآيات رب العالمين واستعملها للأوضاع الجنسية»، وأنه «قال لأهله: إذا أنا مِتُّ فأتوا إلى قبري واستغيثوا بي»، وأن قوله في «حسن المحاضرة»: «فاستغثتُ بالنبي صلى الله عليه وسلم» شركٌ. ثم قال لمن لم يوافقه: «إذا ما كنتم ترون أن هذا شركًا فأيَّ سلفيةٍ تنتسبون إليها؟».
من مقطعٍ مصوَّر منشور له بعنوان «السيوطي يدافع عن ابن عربي يا متسلفون»، وفيه عرضُ صورة الغلاف.
ما نقوله قبل كل شيء
كلامُ ابن عربي الذي ساقه: «فيحمدني وأحمده ويعبدني وأعبده»، و«فوقتًا يكون العبد ربًّا»، و«هو الإنسان الكبير» - كفرٌ صريح نتبرأ إلى الله منه، ومن قول القائل به، ومن كل ما فيه من حلولٍ واتحادٍ ووحدةِ وجود. لا نداهن في هذا حرفًا، ولا نطلب لهذا الكلام مخرجًا.
وقد كفّر ابن عربي جماعةٌ من أهل العلم، وصنّف فيه العلماء، وجُمعت أسماؤهم في رسالةٍ علمية محكَّمة هي «ابن عربي: عقيدته وموقف علماء المسلمين منه» للدكتور دغش بن شبيب العجمي، بإشراف صالح اللحيدان.
وما فعله السيوطي حين ردّ على البقاعي دفاعًا عن ابن عربي خطأٌ بيّن، لا نُحسّنه ولا نعتذر عنه بتزيين. وهو الخطأ الذي رجع عنه هو بنفسه كما سيأتي.
فالنزاع ليس في ابن عربي ولا في كفريّاته. النزاع في شيء آخر بالمرّة.
الكذبة التي لا تحتمل عذرًا: كتابٌ ليس للسيوطي، وصورةُ غلافه على الشاشة
قال: «أقلُّ ما عند السيوطي تأليفُه كتابَ تسفيه الغبي في تبرئة ابن عربي»، وعرض صورة الغلاف.
وهذه ثلاثة كتب في سلسلةٍ واحدة، من فتح فهرسًا واحدًا عرفها:
الأول: «تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي» لبرهان الدين البقاعي تلميذِ الحافظ ابن حجر.
الثاني: «تنبئة الغبي بتبرئة ابن عربي» للسيوطي، ردًّا على البقاعي. هذا هو كتاب السيوطي.
الثالث: «تسفيه الغبي في تنزيه ابن عربي» لإبراهيم بن محمد الحلبي الحنفي (ت 956هـ) صاحبِ «ملتقى الأبحر»، وهو ردٌّ على السيوطي.
فالكتاب الذي رفع غلافه على الشاشة ونسبه إلى السيوطي هو الكتاب المؤلَّف في الردّ على السيوطي، بعد وفاته بأربعين سنة تقريبًا.
ولو كانت زلّةَ لسانٍ لهانت. لكنه حمل الغلاف وعرضه. وعرضُ الغلاف يقطع باب العذر؛ لأن من يحمل صورة كتاب هو من يزعم أنه رآه. فإما أنه لم يفتحه، وإما أنه فتحه فرأى ما فيه ثم سكت عنه. وستعلم أيَّ الأمرين أشدُّ عليه.
وفي هذا الكتاب بعينه براءةُ السيوطي
فإن محقّق «تسفيه الغبي»، علي رضا المدني، كتب في مقدمته:
ولقد اغترّ بهذا المخادع خلقٌ من العلماء الأعلام، لما في بقية كتبه من ذكر الزهد والفضائل والآداب والأخلاق؛ فمنهم على سبيل المثال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية كما ذكر ذلك عن نفسه... ثم صار بعد ذلك من أشدّ خصومه وأبلغِ من ردّ عليه. ومنهم العلامة السيوطي صاحب التصانيف النافعة المشهورة، ما زال يمتدحه حتى ألّف في الدفاع عنه رسالةً هي التي يردّ عليها صاحبنا الحلبي.
ثم نقل المحقّقُ نفسُه تراجعَ السيوطي، عن علي القاري في «الردّ على القائلين بوحدة الوجود»: أن السيوطي شدّد في شأن ابن عربي وأهل الوحدة في كتابيه «التحبير لعلم التفسير» و«إتمام الدراية شرح النقاية».
فالبراءة والتراجع في الكتاب الذي احتجّ به. فكيف ساق منه ما يطعن ولم يسق منه ما يبرّئ؟
هل دافع السيوطي عن الحلول والاتحاد؟ فاسأل السيوطي
بنى التكفير على أن السيوطي «دافع عن ابن عربي صاحب وحدة الوجود». فليُنظر ماذا يقول السيوطي في الحلول والاتحاد نفسه، في رسالته «تأييد الحقيقة العلية»، وهو يعدّد المآخذ على الدخلاء في التصوف:
منها - وهو شرّها - الحلول والاتحاد، وهو كفرٌ صريح وضلالٌ مبين، ولم يقل به أحدٌ من المعتبرين من الصوفية، بل ينبّهون على تضليل من قال به وتكفيره ويحذّرون منه.
ثم ساق من نصّ على تكفير القائلين به: أبو نعيم في «الحلية»، والقاضي ناصر الدين البيضاوي صاحب التفسير، والقاضي عياض في «الشفا» أن المسلمين أجمعوا على كفر أصحاب الحلول.
فهذا رجلٌ يحكي الإجماع على كفر القائل بالحلول والاتحاد، ثم يُراد تكفيرُه بأنه دافع عن الحلول والاتحاد. وهل يجتمع في عاقلٍ أن يكفّر القولَ ويؤمن به في نَفَسٍ واحد؟
وغاية ما وقع للسيوطي أنه لم يثبت عنده أن ابن عربي أراد ظاهر ما قال، فتأوّل له. وهذا خطأٌ في التنزيل على المعيَّن، لا موافقةٌ على المقالة. وشتّان بين البابين، وأنت كنت تعرف الفرق بينهما سبعين سنة.
وماذا في كتاب السيوطي فعلًا؟
هذا هو «الدفاع» الذي كفّرتَه به. اقرأه من الكتاب الذي لم تقرأه:
ذكر السيوطي أن الناس افترقوا في ابن عربي فرقًا: فرقةٌ تعتقد ولايته ومنهم ابن عطاء الله السكندري واليافعي، وفرقةٌ تعتقد ضلاله ومنهم طائفةٌ كبيرة من الحفاظ، وفرقةٌ شكّت في أمره ومنهم الذهبي. ثم قرّر مذهبه هو فقال:
القولُ الفصل عندي في ابن عربي: طريقٌ لا يرضاها فِرقتا أهل العصر، لا مَن يعتقده، ولا مَن يحطّ عليه. وهي: اعتقادُ ولاية ابن عربي، وتحريمُ النظر في كتبه.
والمتصدّي للنظر في كتب ابن عربي أو إقرائها غيرَه، لم ينصح نفسه ولا غيره، بل ضرّ نفسه وضرّ المسلمين كلَّ الضرر.
فالسيوطي يحرّم قراءة كتب ابن عربي، ويقول إن من أقرأها الناس ضرّهم كلَّ الضرر. فهل هذا هو «المدافع عن ابن عربي» الذي جعلتَه سببًا لتكفيره؟
وهذا هو الموقف بعينه الذي وقفه علي القاري، وأنت تعظّمه وتنقل عنه. قال في «الردّ على القائلين بوحدة الوجود»:
الأحوطُ في أمر الدين هو السكوت عن نفس ابن عربي، حيث اختلف العلماء في أنه صدّيقٌ أو زنديق. وعلى الثاني: لعله مات تائبًا. وتحرم مطالعة كتبه؛ لأنها مشحونةٌ بما يخالف عقائد المسلمين.
فهذا هو مذهب السيوطي بعينه: كفٌّ عن العين، وتحريمٌ للكتب. فإن كان كفرًا فكفِّر علي القاري معه.
ثم رجع السيوطي، فأنت تكفّره بما تاب منه
وهذا هو موضع الفزع. فالرجل لم يمت على ذلك، بل رجع وصرّح. قال في «التحبير لعلم التفسير»:
ويحرم تحريمًا غليظًا أن يفسَّر القرآن بما لا يقتضيه جوهر اللفظ، كما فعل ابن عربي المبتدع الذي يُنسب إليه كتاب «الفصوص» الذي هو كفرٌ كلُّه.
وقال في «إتمام الدراية شرح النقاية»:
ونعتقد أن طريق أبي القاسم الجنيد سيّدِ الصوفية علمًا وعملًا وصحبةً طريقٌ مقوَّم، فإنه خالٍ من البدع، دائرٌ على التفويض والتسليم والتبرّي من النفس؛ بخلاف طريق جماعةٍ من المتصوفة كابن عربي وابن الفارض وأضرابهما، فإنها زندقةٌ منافيةٌ للكتاب والسنة.
فسمّاه المبتدع، وسمّى «الفصوص» كفرًا كلَّه، وسمّى طريقه زندقةً منافيةً للكتاب والسنة. وهذان النصان منقولان في الكتاب الذي حملتَ غلافه.
فأنت تكفّر رجلًا بذنبٍ رجع عنه وصرّح بضدّه. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له». فبأي شيء تكفّره؟
الإلزام الأول: ابن تيمية كان يعظّم ابن عربي، فكفِّره
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالته إلى نصر المنبجي:
وإنما كنتُ قديمًا ممن يُحسن الظن بابن عربي ويعظّمه، لِما رأيت في كتبه من الفوائد، مثل كلامه في كثيرٍ من «الفتوحات»... ولم نكن بعدُ اطّلعنا على حقيقة مقصوده، ولم نطالع «الفصوص» ونحوه.
وقال في «مجموعة الرسائل والمسائل» عن مقالة ابن عربي صاحب «فصوص الحكم»:
وهي مع كونها كفرًا فهو أقربهم إلى الإسلام، لما يوجد في كلامه من الكلام الجيّد كثيرًا، ولأنه لا يثبت على الاتحاد ثبات غيره، بل هو كثير الاضطراب فيه... والله أعلم بما مات عليه.
فابن تيمية عظّمه في أول أمره ثم رجع، وهذا حالُ السيوطي حرفًا بحرف. وابن تيمية بعد أن ردّ عليه وكفّر مقالته توقّف في عينه فقال: «والله أعلم بما مات عليه». فإن كان الميزان الذي وزنتَ به السيوطي عدلًا، فأجرِه على ابن تيمية في طوره الأول. فإن أبيتَ فقد نصبتَ ميزانين.
الإلزام الثاني: أهل العلم فصّلوا في المعظِّم ولم يجملوا
قلت: «ومن دافع عنه كافر»، و«من عظّمه كافر». وهذا غلوٌّ لم يقله من تنتسب إليهم. فهذه فتوى الشيخين حسين بن محمد بن عبد الوهاب وحمد بن ناصر بن معمر في هذا الباب:
فمن أهل العلم من أساء به الظن بهذه الألفاظ وأمثالها، ومنهم من تأوّل ألفاظه وحملها على غير ظاهرها، ومن أهل العلم والدين من أجرى ما صدر منه على ظاهره... فهذه الأشعار من فهمها علم أنها كفرٌ وإلحاد، ومن لم يفهمها وعظّم أهلها كان بمنزلة من سمع كلامًا لا يفهمه فعظّمه... فلا يعظّم هؤلاء وكلامَهم إلا أحدُ رجلين: جاهلٌ ضالّ، أو زنديقٌ منافق.
فانظر إلى القسمة: جاهلٌ ضالّ، أو زنديقٌ منافق. فالأول ضالٌّ لا كافر. وهذا هو التفصيل الذي أسقطتَه لتخرج بحكمٍ واحد يشمل الجميع.
وقد اعتذر دغش العجمي في رسالته عن السخاوي بأنه ومن معه ما اطّلعوا على حقيقة أمره ولا طالعوا كتبه. ونقل عن الحلبي نفسِه - صاحب الكتاب الذي احتججتَ به - قولَه: «كلُّ من مدحه من أهل الصلاح حمل مدحَه على ما اشتهر من حاله، من غير اطّلاعٍ على كلامه الزائد القبيح في الفصوص وبعض ما في الفتوحات، ولو اطّلعوا لحكموا بغير ذلك».
فمن قواعد أهل السنة أن تعظيم من لم يعرف حقيقة حاله لا يُكفَّر به صاحبه. وهذا قولُ الرجل الذي أخذتَ منه، فلماذا أخذت طعنه وتركت تفصيله؟
الإلزام الثالث: صاحبُ كتابك يسمّي النووي «شيخ الإسلام وليّ الله»
وهذا أقطع ما في الباب. فإبراهيم الحلبي، الذي اعتمدتَ كتابه وعرضتَ غلافه، يقول في هذا الكتاب بعينه:
شيخ الإسلام، وليّ الله تعالى، الشيخ محيي الدين النووي.
فأنت تعتمده حين يردّ على السيوطي، وتدع كلامه حين يسمّي النووي شيخَ الإسلام ووليَّ الله. وهذا هو الانتقاء بالتشهّي بعينه: يُؤخذ من الرجل ما يوافق ويُترك ما يخالف، ثم يُقال للناس: هذه حجة.
ثم انظر إلى ما هو أبلغ: إبراهيم الحلبي ردّ على السيوطي ولم يكفّره. ألّف كتابًا كاملًا في نقض رسالته، وردّ عليه، وسفّه رأيه، ولم يخرج به عن الملّة. فالرجل الذي اتخذتَ كتابه سلاحًا لم يبلغ بالسيوطي عُشْرَ ما بلغتَ به.
الإلزام الرابع: شرطُ المؤلَّف الذي احتججتَ به يهدم صنيعك
قال دغش العجمي في مقدمة رسالته عن ابن عربي:
لم نكفّره رغبةً في التكفير، معاذ الله، ولكن رأينا أن الرجل قد أتى بنواقضَ كثيرةٍ للإسلام، وحكم العلماء عليه بالكفر والزندقة، فنحن تبعٌ لأهل الحق في ذلك.
فهذان شرطان: أن يأتي المعيَّن بالناقض، وأن يحكم عليه العلماء. وهذا هو الميزان: أن نكون تبعًا لعلمائنا لا أن نفتات عليهم.
فأجرِه على السيوطي: أين الناقض الذي أتى به؟ وأين العالم الذي حكم بكفره؟ لم يكفّر السيوطيَّ عالمٌ قطُّ، لا في عصره ولا بعده. فأنت تفتات على العلماء بالميزان الذي جئتَ به أنت.
التكفير باللازم
وحقيقة صنيعك أنك كفّرتَ رجلًا بلازم قوله: كفّرتَ ابن عربي، ثم قلت: من عظّمه فقد رضي بقوله، فمن رضي بالكفر كفر. فصار السيوطي كافرًا وهو لم ينطق بحرفٍ من ذلك، بل نطق بضدّه.
وقد استقرّ عند أهل السنة أن لازم المذهب ليس بمذهب، وأن المرء لا يُلزَم بلازم قوله ما لم يلتزمه. ولو أُعمل هذا الأصل لما بقي في الأمة أحد؛ إذ ما من عالمٍ إلا وله ثناءٌ على من فيه بدعة، أو رواية عمن فيه مقالة، أو اعتمادٌ على كتاب فيه ضلال.
ثم إن الشرع درأ الحدود بالشبهات وهي أخفُّ أثرًا، فكيف بالتكفير الذي هو أعظم من الحدّ؟ فإن كان الحدُّ لا يقام مع الشبهة، فالتكفير أولى أن يُدرأ بها.
وبقيةُ ما قاله، واحدةً واحدة
قال: «جاوز القنطرة لمجرد أنه كتب كتاب الإتقان». وهذا تصغيرٌ لا يليق. فالرجل صاحب «الدرّ المنثور» أوسعِ موسوعةٍ في التفسير بالمأثور، اختصره من «ترجمان القرآن» الذي جمع فيه التفسير بالأسانيد المتصلة، وعليه بنى الباحثون «موسوعة التفسير بالمأثور» بعد سنوات طوال. وصاحب «الجامع الكبير» في نحو خمسة وأربعين ألف حديث، و«الجامع الصغير»، وشروحِ الكتب الستة، والتصانيف في الفقه واللغة والأصول ومصطلح الحديث، حتى قيل إنه بلغ ستمئة مؤلَّف. وليس هذا وحده، بل ثناءُ أهل العلم عليه واعتمادُهم على كتبه، ووصفُ اللجنة الدائمة وابن باز والألباني له بالإمام.
وقال: «استهزأ بآيات رب العالمين واستعملها للأوضاع الجنسية». وهذا لم يثبت عن السيوطي، والسيوطي نفسه نصّ في «الإتقان» - الكتاب الذي ذكرتَه أنت - على تحريم استعمال آيات القرآن في مواضع الهزل. فمن حرّم القليل لا يُتّهم بالكثير من غير بيّنة.
وقال: «قال لأهله: إذا أنا مِتُّ فأتوا إلى قبري واستغيثوا بي». وهذا زيادةٌ في اللفظ. والذي في المصدر: «اذكروها لي»، وفي نسخةٍ: «اذكروها». وليس فيه «استغيثوا بي» ألبتّة. فإن كنتَ لا تعرف لفظه فلا تتكلم فيه، وإن كنتَ تعرفه فقُله كما هو.
وقال في «فاستغثتُ بالنبي صلى الله عليه وسلم»: إنه شرك. وأنت الذي كنتَ سبعين سنة تقرّر أن المراد: استغثتُ الله بالنبي، أي بجاهه أو بدعائه. وقد نصّ على هذا الوجه السبكي، وذكره شمس الدين الأفغاني، والتمسه صنع الله الحلبي الحنفي حين كتب في الردّ على القبورية. ولسنا نصحّح هذا الوجه ولا ندعو إليه؛ وإنما نقول ما كنت تقوله أنت: هذه شبهةٌ تدرأ التكفير. والحدود تُدرأ بالشبهات، فكيف بالتكفير؟
سؤالٌ واحد يُغني عن الصفحة كلها
سبعون سنة وأنت تقول: الإمام السيوطي، والحافظ السيوطي، والعلامة السيوطي. سبعون سنة تنقل عنه وتعتمد عليه، وتكتب «موسوعة أهل السنة»، و«المقالات السنية في تبرئة ابن تيمية»، والردَّ على الرفاعية والحبشي والشيعة. سبعون سنة تحذّر من التكفير المتهوّر، وتقرّر أنه لا تكفير إلا ببرهانٍ واضح، ولا تكفير بمحتمل، وأن من له شبهةٌ يُعذَر حتى تقوم عليه الحجة وتتّضح له المحجّة.
فأجب عن سؤالٍ واحد: أكنتَ في تلك السبعين على منهج أهل السنة فتركتَه، أم كنتَ على بدعةٍ وضلالٍ ثم تركتَه؟
ليس ثمّ ثالث. فإن قلت: كنتُ على السنة، فقد حكمتَ على نفسك اليوم. وإن قلت: كنتُ على ضلال، فقد أسقطتَ كل ما كتبتَ، ولزم كلَّ من قرأ لك أن يطرح كتبك.
وأما «أخٌ لكم في المنهج»
قلتَ في محمد بن شمس الدين إنه أخٌ لكم في المنهج على المنهج السلفي. فأيُّ منهج؟
فإن موضع الخلاف بيننا وبينه هو موضعُ الخلاف بين أهل السنة والخوارج بعينه. فالخوارج ما خالفوا أهل السنة في آيات الصفات ولا في التوحيد فيما يبدو للناس، وإنما خالفوهم في إسقاط الأحكام على المعيَّنين بغير ضوابط أهل السنة. فهذه هي النقطة، لا غيرها: جهّالٌ تصدّروا لإصدار الأحكام على الأعيان.
ثم انظر في التناقض: أنت تصف الحافظ ابن حجر بشيخ الإسلام، وهو يسوّغ تكفيره. وأنت تصف الألباني بشيخ الإسلام، وهو يرميه بالإرجاء. فلو كنتَ حقًّا تذبّ عن ابن حجر لكانت لك وقفةٌ صارمة مع من يسوّغ تكفيره، فضلًا عمن يكفّره. فأيُّ منهجٍ يجمعكما بعد تكفير ورثة النبي صلى الله عليه وسلم؟
وجِماع الأمر
لم نردّ عليك إكرامًا للسيوطي وحده. وإنما رددنا لأن الطريق الذي سلكتَه يهدم أصلين: أصلَ الأمانة في النقل، وأصلَ العدل في الحكم على الأعيان.
فأما الأمانة فقد عرضتَ غلافَ كتابٍ في الردّ على رجل ونسبتَه إليه. وأما العدل فقد كفّرتَ رجلًا بلازمِ قولٍ لم يقله، وبمذهبٍ يكفّر هو نفسه القائلَ به، وبذنبٍ تاب منه وصرّح بضدّه، وبنصٍّ زدتَ في لفظه.
ولو أنك تركتَ السيوطي جانبًا وأردتَ التحذير من ابن عربي وحده لوجدتَ عندنا ما يعينك؛ فنحن نبرأ إلى الله من كل حرفٍ في «الفصوص». لكنك لم تُرد ابن عربي، وإنما أردتَ أن تصل منه إلى السيوطي، ومن السيوطي إلى تصحيح صنيع من يكفّر أئمة المسلمين.
فنسأل الله أن يردّك إلى ما كنتَ عليه، وأن تعود فتكتب مرةً أخرى في التحذير من التكفير المتهوّر، فقد كنتَ على خيرٍ عظيم.
