دعوى أن قول أبي حنيفة في نكاح المرأة بغير ولي «مصيبة طامّة» و«نبذٌ للكتاب والسنة»

قائلها: عبد الرحمن دمشقية 14 أغسطس 2026

نصّ الشبهة

قال عبد الرحمن دمشقية في معرض الطعن على الإمام أبي حنيفة، وهو يضحك: «أقلُّ ما في المذهب الحنفي: قضيةُ إباحة الربا من الكافر الحربي التي انتقده عليها الشافعي والأوزاعي، وكذلك إنكاحُ المرأة نفسَها، تزويجُ المرأة نفسَها بغير ولي. هذه مصيبةٌ طامّة، ماذا نقول لها؟ والله مشكلة».

ثم بنى عليها الفزع فقال: «ترليونات من البشر منذ عهد أبي حنيفة إلى اليوم يتناكحون بدون ولي، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: أيّما امرأةٍ نكحت بغير إذن وليّها فنكاحها باطل، رواه الترمذي وغيره بإسناد صحيح. فماذا نفعل الآن؟ كلُّ من سمع هذا الحديث وإن كان قد تزوّج، أنا أنصح بتجديد عقده وإصلاحه. وإلا فماذا نفعل الآن؟».

ثم حكم على المسألة وعلى القائل بها فقال: «أيُّ ذنبٍ هذا؟! من شؤم التقليد الأعمى ونبذِ الكتاب والسنة لصالح المذهب. أوَهل نزل القرآن فقط لتلاوته دون العمل به؟! والله عز وجل قال: ﴿وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا﴾، ما خاطب النساء فقال: ولا تَنكِحْنَ، وإنما خاطب أولياء أمورهنّ».

من مقطعٍ مصوَّر منشور له في الطعن على الإمام أبي حنيفة رحمه الله، ساق فيه هذه المسألة مع مسألة الربا في دار الحرب.

نبدأ بما لا نداهن فيه

قولُ أبي حنيفة رحمه الله في هذه المسألة مرجوحٌ خطأ، والصواب مع الجمهور. والحديث حجةٌ عليه لا له. ونحن لا نُفتي به، ولا ندعو إليه، ولا نلتمس له مخرجًا يزيّنه، ولا نُقرّ امرأةً تزوّج نفسها بغير وليّها.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا نكاحَ إلا بوليّ». رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه. وقال: «أيّما امرأةٍ نكحت بغير إذن وليّها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل». رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه. وقال: «لا تُزوِّج المرأةُ المرأةَ، ولا تُزوِّج المرأةُ نفسَها». رواه ابن ماجه والدارقطني.

وقال الترمذي عقب الحديث: والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، منهم عمر بن الخطاب وعليّ بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وأبو هريرة، وهكذا رُوي عن فقهاء التابعين: سعيد بن المسيّب والحسن البصري وشريح وإبراهيم النخعي وعمر بن عبد العزيز.

فهذا مقرَّرٌ عندنا قبل أن نبدأ. ولسنا في هذه الصفحة ننصر قولَ أبي حنيفة، وإنما نمنع أن يُتّخذ الخطأ الفقهي بابًا للطعن في ديانة إمام.

تحرير محل النزاع

فالنزاع بيننا وبينه ليس في ترجيح قولٍ على قول، فنحن وإياه في كِفّة واحدة هنا. وإنما النزاع في ثلاثة أمور بعد الترجيح:

الأول: أن يُسمَّى الخلاف الفقهي السائغ «مصيبةً طامّة».

الثاني: أن يُعلَّل قولُ الإمام بـ«شؤم التقليد الأعمى ونبذِ الكتاب والسنة لصالح المذهب»، وأبو حنيفة إنما بنى قولَه على ما فهمه من القرآن ومن حديثٍ في صحيح مسلم ومن آثار السلف. وهو أصلٌ لا مذهبَ يُقلَّد قبله؛ إذ ليس قبل أبي حنيفة مذهبٌ حنفيّ يُتعصَّب له.

الثالث: أن يُصعَد من الخطأ إلى تخويف الأمة في فروجها وأنسابها من على منبرٍ عام.

على ماذا بناه الحنفية؟ اسمعه قبل أن تحكم

قال: «نبذُ الكتاب والسنة». وهذا هو عمود الشبهة، وهو أضعف ما فيها؛ لأنه يسقط بمجرد فتح أي كتاب فقهٍ مطوَّل. فأدلتهم في هذا الباب من الكتاب والسنة والأثر، لا من الرأي:

من القرآن: قوله تعالى ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: 232]، فأسند فعل النكاح إليهنّ ونهى الأولياء عن المنع. وقوله ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 234]، فرفع الجناح عن الأولياء فيما فعلن. وقوله ﴿حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230]، فنسب النكاح إليها.

من السنة: قوله صلى الله عليه وسلم: «الأيِّمُ أحقُّ بنفسها من وليّها». رواه مسلم. فحملوا «أحقّ» على أنها أملكُ بأمر نفسها عند التنازع.

من الأثر: أن عائشة رضي الله عنها، وهي راوية حديث «أيّما امرأة نكحت بغير إذن وليّها»، زوّجت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر من المنذر بن الزبير وأبوها غائبٌ بالشام. رواه مالك في «الموطأ». فقالوا: لو كان الحديث عندها على الحتم واللزوم ما صنعت هذا.

فسمِّ هذا ما شئت: خطأً، وضعفَ استدلال، ومرجوحًا مردودًا. أما أن تسمّيه «نبذًا للكتاب والسنة لصالح المذهب»، فهذه دعوى تكذّبها أدلّتُهم نفسها التي هي آياتٌ وحديثٌ في صحيح مسلم وأثرٌ عن أمّ المؤمنين.

وهذا جواب الجمهور، لتعلم أن الحق يُنصر بالحجة لا بالضحك

وقد أجاب الجمهور عن كل حرفٍ من ذلك، وهذا موضع الإنصاف الذي أعرض عنه:

أما آية العضل فهي أقوى ما يُردّ به عليهم، لا لهم؛ فقد ثبت في صحيح البخاري أنها نزلت في معقل بن يسار حين عضل أخته أن ترجع إلى زوجها. ولو كانت المرأة تُزوّج نفسها لما كان لعضل الوليّ معنًى أصلًا، ولا احتاجت إلى نهيه. فنزولُ الآية في نهي الوليّ عن المنع دليلٌ على أن بيده العقد، لا دليلٌ على أنه لا شأن له به.

وأما ﴿فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ﴾ فسياقها في التزيّن والتعرّض للخطبة بعد انقضاء العدة، لا في مباشرة العقد.

وأما حديث «الأيِّمُ أحقُّ بنفسها» فتمامُه في مسلم نفسه: «والبكرُ تُستأذَن في نفسها، وإذنُها صُماتُها». فالحديث سيق لبيان أن رضاها معتبَرٌ لا يُفتات عليه، لا لبيان من يتولى العقد. ويقطع النزاع فيه حديث البخاري: «لا تُنكَح الأيِّمُ حتى تُستأمَر، ولا تُنكَح البكرُ حتى تُستأذَن»، فبناه للمجهول وأثبت أن ثمّ مُنكِحًا غيرها يُستأذنها.

وأما أثر عائشة فتمامُه يهدم الاستدلال به: فإن عبد الرحمن لما قدم قال: «ومِثلي يُصنَع هذا به؟ ومثلي يُفتات عليه؟»، فكلّمت عائشةُ المنذرَ فقال: «فإن ذلك بيد عبد الرحمن»، فقال عبد الرحمن: «ما كنتُ لأردّ أمرًا قضيتَه». فالعقد لم يمضِ حتى أجازه الوليّ، وعائشة لم تعقد وإنما خطبت وسعت. فهو حجةٌ على اعتبار الوليّ لا على إلغائه.

ويبقى نصّ القرآن الذي احتجّ به هو، وهو صحيح: ﴿وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: 221]، وقوله ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ﴾ [النور: 32]، فالخطاب في الإنكاح للأولياء. هذا حقٌّ نسلّمه له ونحتجّ به معه.

فانظر: الحجة كلها كانت في متناوله، ولم يكن محتاجًا إلى حرفٍ واحد من التشنيع. فلماذا تركها إلى «مصيبة طامّة» و«شؤم التقليد الأعمى»؟

المغالطة: الانتقال من الحكم على القول إلى الحكم على القائل

هذه هي الحيلة كلها، وهي تجري في ثلاث خطوات سريعة لا يكاد السامع يلمحها:

أولًا يقرّر مسألةً خلافية، وهي حق.

ثانيًا ينقل الحكم من القول إلى القائل، فيصير المرجوحُ في المسألة متّهمًا في ديانته.

ثالثًا يحمّله لازمَ قوله ومآلَه في الأمة كلها: «ترليونات يتناكحون بلا ولي»، فيصير الإمام مسؤولًا عن أنساب الأمة.

وهذا هو تحميل الرجل لازمَ قوله ثم محاكمتُه عليه كأنه صرّح به. وقد أجمع أهل العلم على أن لازم المذهب ليس بمذهب، وعلى أنه لا تبديع في مسائل الاجتهاد. وإلا فليَنظر: كم مسألةً في الدنيا يُخالف فيها المرجوحُ الراجحَ فتترتب عليها آثارٌ في الفروج والأموال والدماء؟ فهل كل مجتهدٍ أخطأ يُقال له: انظر ما جنيتَ على الأمة؟

الإلزام الأول: فإن طعنتَ فيه فاطعن في مفتي مكة

لم ينفرد أبو حنيفة بهذا القول. فهذا عطاء بن أبي رباح، مفتي مكة وأحد كبار فقهاء التابعين، الذي كان لا يُفتي بمكة أحدٌ في زمانه معه، قال في المرأة المالكة أمر نفسها: «إذا كان شهداء فإنه جائزٌ دون الولاة، ولو أنكحها الوليّ كان أحبَّ إليّ، ونكاحها جائز». رواه عبد الرزاق في «المصنف».

فهذا نصٌّ صريح من تابعيّ إمام، سبق أبا حنيفة ولم يُقلّده. فإن كان القول «مصيبةً طامّة» و«شؤمَ التقليد الأعمى»، فما قولك في عطاء؟ أهو أيضًا نبذ الكتاب والسنة لصالح المذهب؟ وأيَّ مذهبٍ قلّد عطاءٌ وهو من الطبقة التي تُقلَّد؟

فإن فرّقتَ بين عطاء وأبي حنيفة فقد نصبتَ ميزانين، وإن اطّردتَ فقد أسقطتَ طبقةً من فقهاء التابعين. وليس لك ثالثٌ إلا أن ترجع فتسمّيها ما هي: مسألةَ خلافٍ سائغ.

الإلزام الثاني: ابن قدامة يسمّيها بنفسه مسألةً يسوغ فيها الاجتهاد

وأنت تُفزع الناس على أنكحتهم. فاسمع ماذا صنع فقيهُ الحنابلة وإمام «المغني»، وهو من الجمهور المخالفين لأبي حنيفة في أصل المسألة. قال ابن قدامة في النكاح المعقود بغير وليّ:

فإن حكم بصحة هذا العقد حاكمٌ، أو كان المتولّي لعقده حاكمًا، لم يجز نقضُه، وكذلك سائر الأنكحة الفاسدة المختلف فيها... لأنها مسألةٌ مختلَفٌ فيها ويسوغ فيها الاجتهاد، فلم يجز نقض الحكم فيها.

فاثنان هنا لا مهرب منهما. أولهما أن ابن قدامة سمّاها بلفظه: مسألةٌ يسوغ فيها الاجتهاد. وأنت سمّيتَها «مصيبةً طامّة». فأيُّ الرجلين أعلمُ بمواقع الخلاف؟

وثانيهما أن حكم القاضي فيها يرفع النزاع ولا يُنقض. وأنكحةُ المسلمين في بلدانٍ كثيرة تُعقد في المحاكم وعلى يد المأذون الذي هو نائبُ الحاكم، وقوانين الأحوال الشخصية في غير بلد مبنيّةٌ على المذهب الحنفي. فالذي تخوّف منه الناس قد قطعه ابن قدامة قبل ثمانية قرون.

ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم قال في تمام الحديث الذي احتججتَ به: «فإن اشتجروا فالسلطانُ وليُّ من لا وليَّ له». فالشارع نفسه جعل للحاكم مدخلًا في هذا الباب.

ونحن نقول ما يقوله الفقهاء: من احتاط فجدّد عقده على الوجه الذي عليه الجمهور فقد أحسن، وهو الأولى والأبرأ. لكنّ فرقًا بين نصيحةٍ خاصة في مجلسٍ خاص، وبين قذف الأمة كلها بأن أنسابها في خطر ثم الضحك.

الإلزام الثالث: أشدُّ الناس ترجيحًا لقولك أرفقُ منك بأبي حنيفة

هذا أحمد شاكر، ولا يُتّهم بتمييع ولا بمداهنة، وهو من أشدّ الناس في هذه المسألة بعينها. قال:

الذي لا يشكّ فيه أحدٌ من أهل العلم بالحديث أن حديث «لا نكاح إلا بوليّ» حديثٌ صحيح ثابت بأسانيدَ تكاد تبلغ مبلغ التواتر المعنوي الموجب للقطع بمعناه، وهو قول الكافّة من أهل العلم، الذي يؤيّده الفقه في القرآن، ولم يخالف في ذلك فيما نعلم إلا فقهاء الحنفية ومن تابعهم وقلّدهم، وقد كان لمتقدّميهم بعضُ العذر؛ لعله لم يصل إليهم ذلك بإسنادٍ صحيح.

«عمدة التفسير». فتأمل: الرجل يجزم بالتواتر المعنوي، ويجزم بأنه قول الكافّة، ثم يعتذر لمتقدّمي الحنفية. فمن هم المتقدمون الذين اعتذر لهم؟ أبو حنيفة وطبقتُه. وإنما شدّد على المتأخرين المقلّدين بعد ظهور الحجة.

وهذا الألباني، وهو عمدة القوم في الحديث، يقول:

فإذا كان هذا عذرُ أبي حنيفة فيما وقع منه مع المخالفة للأحاديث الصحيحة دون قصد، وهو عذرٌ مقبول قطعًا لأن الله لا يكلّف نفسًا إلا وسعها، فلا يجوز الطعن فيه كما قد يفعل بعض الجَهَلة، بل يجب التأدّب معه؛ لأنه إمامٌ من أئمة المسلمين الذين بهم حُفظ هذا الدين ووصل إلينا ما وصل من فروعه، وأنه مأجورٌ على كل حال أصاب أم أخطأ.

«كشف النقاب». فهذه هي مسألتنا بحرفها: مخالفةُ حديثٍ صحيح دون قصد. والحكم عند الألباني: عذرٌ مقبول قطعًا، والطعن فعلُ الجَهَلة.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «من ظنّ بأبي حنيفة أو غيره من أئمة المسلمين أنهم يتعمّدون مخالفة الحديث الصحيح لقياسٍ أو غيره فقد أخطأ عليهم، وتكلّم إما بظنٍّ وإما بهوى». «مجموع الفتاوى».

فهذه ثلاثةٌ: أعرفُ الناس بالحديث في هذه المسألة، وأعرفُهم بها في هذا العصر، وأعرفُهم بمذاهب السلف. كلُّهم رجّح قولك، ولم يقل أحدٌ منهم ما قلتَ. فما الذي عندك وليس عندهم؟

الإلزام الرابع: ومسألة الربا التي بدأتَ بها تنقض دعواك

صدّرتَ كلامك بمسألة الربا من الحربي في دار الحرب، وذكرتَ أن الشافعي والأوزاعي انتقداه فيها. وهذا حقٌّ لا ننكره، والراجح تحريمُه كما قال الجمهور.

لكن انظر ماذا صنعتَ بنفسك: أبو حنيفة لم يبنِ هذا على الرأي، وإنما بناه على حديث «لا ربا بين أهل الحرب»، وهو مرسلُ مكحول، وقد ضعّفه الشافعي والنووي وابن قدامة لإرساله. فهذا رجلٌ يخطئ في تصحيح خبر، لا رجلٌ يقدّم رأيه على النص. وفرقٌ بين البابين لا يخفى على طالب علم.

ثم انظر إلى ما هو أبلغ: أبو يوسف، صاحبُه وتلميذُه، خالفه في هذه المسألة نفسها وقال بقول الجمهور. فأين «التقليدُ الأعمى» في مذهبٍ يخالف فيه أقربُ الناس إلى إمامه في حياته وبعد مماته؟

وأما الشافعي والأوزاعي فقد انتقداه انتقادَ الفقيه للفقيه في مسألةٍ فقهية، ثم قال الشافعي بعد ذلك: «الناس عيالٌ على أبي حنيفة في الفقه». «سير أعلام النبلاء». فخذ منهما الأمرين معًا: النقد والتوقير. أما أن تأخذ نقدهما وتدع توقيرهما، فذلك اجتزاءٌ لا اتّباع.

الضحك ليس حجة

وقد ساق هذا كلَّه ضاحكًا. وهذا مسلكٌ ينبغي أن يُسمَّى باسمه: أن تُؤخذ مسائل الفقه وفتاوى المذاهب فتُجعل مادةً للتندّر والاستهزاء. وهي طريقةٌ لم تكن في حِلَق العلماء ولا في مجالس الفتيا، وإنما جاءت من شبكات التواصل.

وآفتها أنها تفتح بابًا لا يُغلق: فلكلّ من هبّ ودبّ أن يسخر بمن شاء من العلماء وبما شاء من المذاهب والفتاوى، حتى تصير مسائل الفقه مادةً للسفهاء وتُنتهك حرمة العلم. ثم إنها استطالةٌ بالحق على الخلق، وقد ذكر ابن تيمية في «العقيدة الواسطية» أن من اعتقاد أهل السنة: «وينهون عن الفخر والخيلاء والبغي والاستطالة على الخلق بحقٍّ أو بغير حق».

والسخرية تخبر جمهورك بمن يجب أن يكرهوا، ولا تخبر الباحث لماذا كان القولُ مرجوحًا. فاترك الضحك واكتب الحجة.

لو اطّرد هذا الأصل

الميزان الذي وُزن به أبو حنيفة هنا هو: مَن أخطأ في مسألةٍ اجتهادية خالف فيها نصًّا صحيحًا، فهو نابذٌ للكتاب والسنة، مقلّدٌ تقليدًا أعمى، صاحبُ مصيبةٍ طامّة.

فأجرِ هذا الميزان على تاريخ الفقه كله. فما من إمامٍ من الأئمة الأربعة ولا من أتباعهم إلا وله في المسائل ما خالف فيه نصًّا صحيحًا لم يبلغه، أو بلغه فتأوّله، أو صحّ عنده ما لم يصحّ عند غيره. وقد نُسب إلى الأئمة الأربعة وإلى أتباعهم من المسائل المستغرَبة ما لا يحصيه إلا الله. فإن أعملتَ ميزانك لم يبقَ إمامٌ عاش، ولا إمامٌ سيأتي إلى آخر الزمان.

ثم إن هذه القاعدة لا تقف عند الفقهاء. فالعالم الذي بلغه الحديث فتأوّله يُقال فيه هذا، والمحدّث الذي ضعّف حديثًا صحّحه غيره يُقال فيه هذا، وأنت نفسك يُقال فيك هذا في كل مسألة رجّحتَ فيها ما لم يرجّحه غيرك. وهكذا تُصبح آلةُ الإسقاط عامّة، لا تُبقي على أحد، وأوّل من تصيبه صانعُها.

وجِماع الأمر

المسألة خلافيةٌ بين أهل السنة. الجمهور على اشتراط الوليّ، وهو الراجح الذي ندين الله به. والحنفيةُ على خلافه، وقد بنوه على ما فهموه من آيات القرآن، وعلى حديثٍ في صحيح مسلم، وعلى آثارٍ عن السلف، ومعهم فيه عطاء بن أبي رباح مفتي مكة. فهم بين الأجر والأجرين، والراجحُ خلافُهم.

وقد ناقش العلماءُ أدلّتهم وردّوها واستفاضوا في نقضها، فما عدّ أحدٌ منهم أبا حنيفة بهذه المسألة من أهل البدع ولا من أهل الضلال، ولا جعلها في ديوان القدح في ديانته. بل نصّ ابن قدامة على أنها مما يسوغ فيه الاجتهاد، واعتذر أحمد شاكر لمتقدّمي الحنفية فيها، وقال الألباني إن الطعن بها فعلُ الجَهَلة.

فهذا هو الفرق بينك وبينهم: هم ردّوا القول وحفظوا القائل، وأنت رددتَ القول وطلبتَ القائل. وهم أقاموا الحجة وسكتوا، وأنت أقمتَ الضحك وتكلّمت.

ولئن كانت المسألة خطأً فقد أنكرناه معك قبل أن تنكره. وأما أن تُجعل مسائلُ الخلاف السائغ سببًا للطعن في الأئمة، فتلك مصيبةٌ أطمُّ من التي سمّيتَها؛ لأن الأولى خطأُ مجتهدٍ مأجور، والثانية هدمُ ميراثِ أمّةٍ بأسرها.

كلّ الشبهات منهج التوثيق والتصحيح
وفي الباب

شبهاتٌ أخرى

  1. محمد بن شمس الدين يتهم الأمة بالضلال قرونًا طويلة، ويزعم أن كتب أهل السنة حُرقت وأن علماءها الحقيقيين انقرضوا بانقراض السلفمحمد بن شمس الدين
  2. دعوى أن ألف عالمٍ كفَّروا الأشاعرة، فيُكفَّر بها أعيانُهممحمد بن شمس الدين
  3. دعوى أن الدعوة السلفية هي التي أفرخت الحدادية، وأن محمد بن شمس الدين ثمرتُها الطبيعيةغلاة الأشاعرة