دعوى أن الله لن يغفر للإمام السيوطي
نصّ الشبهة
قال محمد بن شمس الدين، ردًّا على من ترحّم على الإمام جلال الدين السيوطي: «رحم الله الإمام السيوطي، إمام الضلالة! إن رحمه الله سبحانه وتعالى فسيرحم كثيرًا من الروافض... لا، وين روافض، خلّينا نقول نصارى مثلًا، الذين استهزؤوا بالقرآن». ثم ختم بقوله: «إن غفر الله للسيوطي فمن ذا الذي لا يغفر له؟».
وبنى تكفيرَه على مناطين: أولهما قول السيوطي في «حسن المحاضرة»: «واستغثتُ بالنبي صلى الله عليه وسلم»، فجعلها دعاءً لغير الله، وقال: «الاستغاثة عند جميع شيوخ السلفية شرك، لا يُعذر فيها بالجهل»، وسُئل: أفلا يُعذر بالتأويل؟ فقال: «الشرك لا يُتأوَّل». وثانيهما ما نسبه إليه من الاستهزاء بالقرآن في مقامته الأدبية.
ولما سُئل: «من كفّر السيوطي غيرك؟» أجاب: «والله ما أدري، ولا يهمّني أن يكفّره غيري أو لا يكفّره».
من مقاطع مصوَّرة منشورة له.
ابدأ من الكلمة لا من المسألة
قبل الاستغاثة، وقبل المقامة، وقبل كل ما بناه عليهما: هناك كلمةٌ واحدة قالها، هي وحدها موضع الفزع. قال: «إن رحمه الله فسيرحم النصارى»، وقال: «إن غفر الله للسيوطي فمن ذا الذي لا يغفر له؟».
هذه ليست فتوى في رجل. هذه منازعةٌ لله فيما تفرّد به. فإن المغفرة ليست بابًا يُوزَّع بالاجتهاد، ولا خزانةً يملك أحدٌ مفتاحها غيرُ ربّ العالمين.
وقد جاء في هذا بعينه حديثٌ لو وقر في قلبٍ لأخرسه إلى الأبد. روى مسلمٌ عن جندب بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدّث:
أنّ رجلًا قال: والله لا يغفر الله لفلان. فقال الله عز وجل: مَن ذا الذي يتألّى عليّ ألا أغفر لفلان؟ فإني قد غفرتُ له، وأحبطتُ عملك.
تأمل: لم يقل الرجل إنه كافر، ولم يحكم عليه بشيء. إنما قطع بأن الله لا يغفر له. فأحبط الله عمله كلَّه بكلمةٍ واحدة، وغفر للآخر.
وجاء الحديث مطوَّلًا عند أبي داود من حديث أبي هريرة في الرجلين من بني إسرائيل، أحدهما مذنب والآخر مجتهدٌ في العبادة، فما زال المجتهد يرى صاحبه على الذنب فيقول: أقصِر، حتى قال يومًا: والله لا يغفر الله لك. فقبض الله أرواحهما، فقال للمجتهد: أكنتَ بي عالمًا؟ أو كنتَ على ما في يدي قادرًا؟ وقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار. قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده، لتكلّم بكلمةٍ أوبقت دنياه وآخرته.
رجلٌ مجتهدٌ في العبادة، لا يُذكر عنه ذنب، أهلكته كلمةٌ واحدة. فما بال من يقولها في إمامٍ من أئمة الإسلام، ثم يعود فيقيسه على النصارى؟
ومعنى الكلمة عندهم لا عندنا
وليست العبارة مجرد قسوة في اللفظ. فإن الله قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾. فنفيُ المغفرة إنما هو حكمٌ على الكافر بعد الموت. فمن قال في معيَّن: «لن يغفر الله له»، فقد شهد عليه بالنار وبالخلود فيها.
قال ابن أبي العز الحنفي:
فإن من أعظم البغي أن يشهد على معيَّنٍ أن الله لا يغفر له ولا يرحمه، بل يخلّده في النار؛ فإن هذا حكم الكافر بعد الموت.
وهذا خلاف عقيدة السلف التي ينقلها هو بنفسه
وأعجب ما في الأمر أنه نقل عقيدة أهل السنة في هذا الباب بيده. نقل قول أبي عثمان الصابوني: «ويعتقد أصحاب الحديث ويشهدون أن عواقب العباد مبهمة، لا يدري أحدٌ بما يُختم له»، ثم علّق عليها في الحاشية بقوله: «أي مبهمة بالنسبة لنا».
نعم، مبهمةٌ بالنسبة لنا. فنحن لا نعلم بم يُختم لأحد، ولا نعلم مصائر العباد. فكيف علمتَ أنت أن الله لن يغفر لرجلٍ بعينه؟
وقال الإمام أحمد في «أصول السنة»:
ولا نشهد على أحدٍ من أهل القبلة بعملٍ يعمله بجنةٍ ولا نار، نرجو للصالح ونخاف عليه، ونخاف على المسيء المذنب ونرجو له رحمة الله.
وروى اللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» عن شعيب بن حرب أنه سأل سفيان الثوري أن يحدّثه بحديثٍ من السنة ينفعه الله به، فكتب له سفيان جملةً من الاعتقاد، ثم قال:
يا شعيب بن حرب، لا ينفعك ما كتبتُ لك حتى لا تشهد لأحدٍ بجنةٍ ولا نار، إلا للعشرة الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ولا يُشهد لمعيَّنٍ بالجنة إلا بدليلٍ خاص، ولا يُشهد على معيَّنٍ بالنار إلا بدليلٍ خاص كأبي لهب.
فأين دليلك الخاص في السيوطي؟
ثم أُلزمك بميزانك أنت
لك قاعدةٌ قرّرتها بنفسك حين تُوهّم أن أحدًا كفّرك، فقلت: «أنا مسلمٌ بيقين، لأنني أظهرتُ الإسلام يقينًا: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأدعو إلى الإسلام، وهذا معناه الإسلام بيقين». وقرّرت أن المسلم الذي ثبت إسلامه بيقين لا يزول عنه إلا بيقين.
فهذه القاعدة حقٌّ، ونحن نسلّمها لك. فأعملها في السيوطي:
الرجل يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويفتتح بها كتبه: في «التوشيح شرح الجامع الصحيح»، وفي «الإتقان في علوم القرآن»، وفي «الدر المنثور»، وفي عامة مصنفاته. وقد أفنى عمره في خدمة القرآن والسنة تصنيفًا وتعليمًا ودعوة. فإسلامه ثابتٌ بيقين، بميزانك أنت.
فبأي يقينٍ أزلتَه؟ بمقالةٍ محتملة، وبمقامةٍ أدبية؟ إن اليقين لا يُرفع بالمحتمل، وهذه قاعدتك قبل أن تكون قاعدتنا.
وقد تبرّأ بخطّه قبل موته
ولو تنزّلنا وسلّمنا لك جدلًا بكل ما ادّعيتَه عليه، فقد كتب الإمام السيوطي في آخر حياته رسالةً سمّاها «الاستيقاظ والتوبة»، قال فيها:
الحمد لله وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. اللهم إن هذه رسالةٌ سطّرتُها تقرّبًا إليك، واعتذارًا وتبرّؤًا مما يخالف شريعتك التي جاء بها سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، وجعلتُها بيني وبينك، غير مطلعٍ أحدًا عليها ما دمتُ حيًّا. فإن كنتُ مصيبًا فيها فاقبلني واغفر لي، ولا تُخيّب ما مضى من سعيي فإنه كان تقرّبًا إليك. وإن كنتُ مخطئًا فلا تؤاخذني، واعفُ عني واغفر لي؛ فإني بشرٌ أخطئ وأصيب، وإنما أنا بحسب ما يترجّح في ظني وما تبدو لي دلائله، وليس لي اطّلاعٌ على البواطن وحقائق الأمور.
رجلٌ يكتب هذا بينه وبين ربه، لا يُطلع عليه أحدًا ما دام حيًّا، فليس فيه رياءٌ ولا مداراةٌ لأحد. ثم يأتي بعده بخمسة قرون من يقطع بأن الله لن يغفر له.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له». فإن كان قد وقع فيما زعمتَ، فقد تبرّأ منه قبل موته. فعلامَ بقي الحكم؟
ثم حرّر المناط قبل أن تبني عليه
أما «الاستغاثة» التي جعلتها دعاءً لغير الله، فانظر أولًا في سياقها. قال السيوطي في «حسن المحاضرة» يحكي قصة أميرٍ يقال له أزدمر الطويل، كان اعتقاده قريبًا من اعتقاد الحاكم العبيدي، وطلب من السيوطي أن يوافقه في الباطن حتى يبلغ السلطنة فيحمل الناس على معتقده بالسيف:
فضقتُ بذلك ذرعًا، وما زلتُ أتضرّع إلى الله تعالى في هلاكه، وألا يوليه سبحانه على المسلمين، واستغثتُ بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأسأل فيه أربابَ الأحوال، حتى قتله الله. فلله الحمد على ذلك.
فالرجل يقول: «ما زلتُ أتضرّع إلى الله». هذا هو دعاؤه، وهو إلى الله وحده. فأين دعاء غير الله؟
ثم إن السيوطي نفسه ينهى عن الذي رميتَه به. قال في «الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع»، في إنكار الصلاة عند القبور والدعاء عندها:
فاقتدِ أيها المسلم إن كنتَ عبدًا لله بسلفك الصالح، وتحقّق بالتوحيد الخالص، فلا تعبد إلا الله، ولا تشرك بربك أحدًا... فلا تعبد إلا إياه، ولا تدعُ إلا هو، ولا تستغث إلا به، ولا تستعن إلا به؛ فإنه لا مانع ولا معطي، ولا ضارّ ولا نافع إلا هو سبحانه.
فهذا نصٌّ صريح منه في تحريم دعاء غير الله، وفي تحريم الاستغاثة الشركية بعينها. فكيف يُحمل لفظُه المحتمل في «حسن المحاضرة» على ما نصّ هو على تحريمه في كتابٍ آخر؟ إن هذا لا يفعله من يطلب الحق، وإنما يفعله من يطلب حكمًا قرّره سلفًا ثم بحث له عن مستند.
ولفظ «الاستغاثة» عند جماعةٍ من أهل العلم يُطلق على التوسل والتشفّع والتوجّه، لا على دعاء المخلوق من دون الله. قال تقي الدين السبكي: يجوز ويحسن التوسل والاستغاثة والتشفع بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه، «ولسنا في ذلك سائلين غير الله، ولا داعين إلا إياه»، وقال: السؤال بالنبي صلى الله عليه وسلم ليس سؤالًا للنبي، بل هو سؤالٌ لله به. وقال ابن حجر الهيتمي: «والمستغاث به في الحقيقة هو الله، والنبي صلى الله عليه وسلم واسطةٌ بينه وبين المستغيث».
ولسنا ندفع عن الإمام السيوطي بتسويغ ما لا يسوغ. فإطلاق لفظ «الاستغاثة» على غير الله لفظٌ منكرٌ في نفسه، مرغوبٌ عنه، حقُّه أن يُهجر ويُسدَّ بابه؛ لِما يُفضي إليه عند العامة مما لا تُحمد عاقبته. فنحن نخطّئه ولا نُقرّه، ونُنكره ولا نلتمس له مخرجًا يزيّنه.
وإنما الشأن كله في المسافة بين أمرين: تخطئةِ الفعل، والقطعِ بكفر فاعله. فالأول واجبٌ لا نتردد فيه، والثاني لا يقوم على لفظٍ محتمل، ولا يُبنى على عبارةٍ فسّرها صاحبها في كتابٍ آخر بما ينقض ما حُمِّلت عليه. فمن سوّى بين البابين فقد جهل باب الأسماء والأحكام، وهذا الذي وقع فيه هذا الجاهل: لم يقف عند التخطئة حتى قفز إلى التكفير، ثم لم يقف عند التكفير حتى تألّى على الله في المغفرة.
وإلزامٌ لا مخرج منه: السفاريني
كتبتَ في موقعك مقالًا عنوانه «لم ينقطع علماء أهل السنة منذ البعثة النبوية»، تذكر فيه أهل العلم الثقات أصحاب المعتقد الصحيح، وعددتَ في علماء القرن الثاني عشر الإمامَ محمد بن أحمد السفاريني الحنبلي، صاحب «العقيدة السفارينية».
فافتح «البحور الزاخرة في علوم الآخرة» له، تجده يقول وهو يذكر هول الموقف بين يدي الله:
ولقد كنتُ قلتُ في هذا المعنى مستغيثًا بالنبي صلى الله عليه وسلم من هول ذلك، وأشكو له من أسباب تلك المهالك:
إليك أشكو رسولَ الله من وجَلي... نأى شبابي سُدًى واحتاط بي أجَلي
فهذا إمامٌ عددتَه أنت في الثقات أصحاب العقيدة الصحيحة، وهو يصرّح بأنه استغاث بالنبي صلى الله عليه وسلم، لا في حكايةٍ يحتمل لفظُها، بل في شعرٍ قاله وصرّح بمعناه.
فأنت بين اثنتين لا ثالث لهما: إما أن تُكفّر السفاريني كما كفّرت السيوطي، فتُسقط بيدك من عددتَه في علماء أهل السنة، ويلزمك أنك صحّحت عقيدة من هو عندك مشرك. وإما أن تلتمس له العذر، فيلزمك أن تلتمسه للسيوطي؛ فإن الفعل واحد، واللفظ واحد.
ولا مخرج ثالث إلا أن يكون الحاكم عندك شيئًا غير الدليل.
ودعوى أن الشرك لا يُتأوَّل
قلت: «الشرك لا يُتأوَّل»، و«لن تجد شيخًا كبيرًا مشهورًا يقول بالعذر في هذه المسألة، إنما يقولها بعض الأولاد الصغار».
فانظر في هؤلاء «الصغار»:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «الرد على الأخنائي»:
وكذلك من دعا غير الله وحجّ إلى غير الله، هو أيضًا مشرك، والذي فعله كفر، لكن قد لا يكون عالمًا بأن هذا شركٌ محرَّم... فكثيرٌ من أنواع الشرك قد يخفى على بعض من دخل في الإسلام ولا يعلم أنه شرك، فهذا ضالّ، وعمله الذي أشرك فيه باطل، لكن لا يستحق العقوبة حتى تقوم عليه الحجة.
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب:
وإذا كنا لا نكفّر من عبد الصنم الذي على قبر عبد القادر، والصنم الذي على قبر أحمد البدوي وأمثالهما، لأجل جهلهم وعدم من ينبّههم؛ فكيف نكفّر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا؟
وقال ابنه الشيخ عبد الله: ولا نكفّر إلا من بلغته دعوتنا للحق، ووضحت له المحجّة، وقامت عليه الحجة، وأصرّ مستكبرًا معاندًا. ثم قال في ابن حجر الهيتمي، مع ما عنده مما يُنكر عليه: «ولا ننكر سعة علمه، ولهذا نعتني بكتبه كشرح الأربعين والزواجر وغيرها، ونعتمد على نقله إذا نقل؛ إنه من جملة علماء المسلمين».
وقال الشيخ ابن عثيمين:
فالأصل فيمن ينتسب للإسلام بقاءُ إسلامه حتى يتحقق زوال ذلك عنه بمقتضى الدليل الشرعي، ولا يجوز التساهل في تكفيره؛ لأن في ذلك محذورين عظيمين: أحدهما افتراءُ الكذب على الله في الحكم، والثاني على المحكوم عليه في الوصف الذي نبذه به.
فهؤلاء هم «الأولاد الصغار» عندك. وأنت في مناظرتك رضيتَ أن يُقدَّم لك بأنك المتحدث باسم ابن تيمية والشيخ محمد بن عبد الوهاب. فبأي وجهٍ تتحدث باسم رجلين تخالف نصّهما الصريح في هذا الباب بعينه؟
ومن سبقك؟
سُئلتَ: من كفّر السيوطي غيرك؟ فقلت: «والله ما أدري، ولا يهمّني».
وهذا الجواب وحده حكمٌ عليك. قال الإمام أحمد: «إياك أن تتكلم في مسألةٍ ليس لك فيها إمام». وهذه مسألة تكفير معيَّن، وهي من أعظم ما يُتكلَّم فيه.
ولستُ أسألك عن الصوفية ولا عن الأشاعرة حتى تقول: هم مثله. أسألك عن أهل الحديث والأثر: أين علماء السلفية في القرن العاشر والحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر؟ لماذا لم يكفّره منهم أحد؟ بل عدّه الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: «الإمام الحافظ السيوطي».
وأنت تحتجّ بحجية الإجماع، وتقول: إن الأمة لا تجتمع على ضلالة، وإذا أجمعت على فهمٍ فهو الصحيح. فالأمة قد أجمعت على إسلام السيوطي خمسة قرون، لم يُنكر ذلك منكِر. فإما أن تلتزم أصلك فتسلّم، وإما أن تُسقطه فتُسقط معه حجّتك في كل ما بنيتَه عليه.
ولا يستوي الاثنان
ثم إن قياسك السيوطيَّ على النصارى الذين استهزؤوا بالقرآن، ردّه القرآن نفسه:
﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾.
﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾.
﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُونَ﴾.
فإذا كان المؤمن لا يستوي بالفاسق، فكيف يستوي بالكافر؟ وهل يُسوَّى بين رجلٍ أفنى عمره في خدمة كتاب الله تفسيرًا وشرحًا وتعظيمًا، وبين من أحرق المصحف وداسه بقدمه؟ ما لكم كيف تحكمون؟
ومن أراد الحق فأخطأ ليس كمن أراد الباطل فأصابه. ومن قصد وجه الله فزلّ في مسألة، ليست زلّته كسعي من كان سعيه ضلالًا وضلالُه عنادًا.
واحذر أن ترتدّ عليك
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أيّما امرئٍ قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما». وقال: «ومن دعا رجلًا بالكفر، أو قال: عدوّ الله، وليس كذلك، إلا حار عليه».
قال ابن عثيمين معلّقًا: فإن كان المخاطَب كما قال فهو كافرٌ وعدوٌّ لله، وإن لم يكن كذلك فالقائل هو الكافر العدوّ لله. وعلى هذا يكون هذا القول من كبائر الذنوب إذا لم يكن الذي قيل فيه أهلًا لها.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فإن تسليط الجهال على تكفير علماء المسلمين من أعظم المنكرات، وإنما أصل هذا من الخوارج والروافض». وقال: «ومن أعظم خبث القلوب أن يكون في قلب العبد غلٌّ لخيار المؤمنين وسادات أولياء الله بعد النبيين».
وفي الحديث القدسي: «من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب».
وجِماع الأمر
لم نكتب هذا انتصارًا لرجلٍ مات قبل خمسة قرون؛ فالسيوطي غنيٌّ عنّا، وحسابه على ربه. وإنما كتبناه لأن الكلمة التي قيلت فيه لا تقف عنده.
فمن استباح أن يقول في معيَّن «لن يغفر الله له»، لن يعجز أن يقولها في غيره. ومن أعمل هذا الميزان لم يبق في الأمة إمام. ثم يبقى الشاب الذي يسمع، وقد نُزعت من قلبه حرمةُ خمسة قرون من العلم، وليس بيده إلا صاحبُ الشاشة.
وأما أنت فاذكر الرجل المجتهد في العبادة، الذي لم يُذكر عنه ذنب، أحبط الله عمله كلَّه بكلمةٍ واحدة. ثم اذكر أنك قلتها في إمامٍ من أئمة المسلمين، وقستَه على النصارى، ثم قيل لك: من سبقك؟ فقلت: لا يهمّني.
واللهُ يقول: مَن ذا الذي يتألّى عليّ؟
