دعوى أن كتب أهل السنة دُثِرت وأُخفيت وأُحرقت، وأن ثناء العلماء على الأشاعرة أثرُ مطبوعات الأزهر

قائلها: محمد بن شمس الدين 15 أغسطس 2026

نصّ الشبهة

سُئل محمد بن شمس الدين: لماذا يُثني بعض علماء السنة على علماء أشعرية؟ فأجاب بأن ذلك أثرُ ظرفٍ تاريخي، فقال: «لو لاحظتَ، هناك فترةٌ من الزمن تقريبًا بعد عصر ابن تيمية بقليل، انتشر وصار هناك قوةٌ كبيرة للأشعرية، الدولة صارت لهم».

ثم قال: «كتب أهل السنة دُثِرت، وأُخفيت، وحُرقت، ولا ندري أين هي. ووُجدت كتب الأشعرية».

ثم قال: «ولما جاءت المطابع، أولُ من استخدم طباعة الكتب هم الأزهر، فكانوا يطبعون كتب أئمتهم، فالعلماء وجدوا هذه الكتب فاستفادوا منها. فلمّا استفادوا من بعض أهل الزيغ أو بعض أهل العقيدة الخاطئة، صاروا لا يكرهونهم».

من مقطعٍ مصوَّر منشور له، جوابًا عن سؤالٍ عن ثناء علماء السنة على من يُنسبون إلى الأشعرية.

تحرير محل النزاع

نسلّم أن للأشاعرة في بعض العصور دولةً وسلطانًا، وأن ذلك أثّر في المناهج الدراسية وفي مقرّرات المدارس، وأن كتبًا من كتب أهل السنة أُوذي أصحابُها ومُنعت في أزمنة. هذا مسلَّمٌ لا ننازع فيه، وهو مذكورٌ في كتب التاريخ.

وإنما النزاع في دعوى أوسع من ذلك بكثير: أن كتب أهل السنة دُثِرت وأُخفيت وحُرقت ولا يُدرى أين هي، وأن العلماء بعد ذلك إنما بنَوا على ما وجدوه من مطبوعات الأزهر. فهذا يعني انقطاع مادة أهل السنة عن أجيالٍ متطاولة، وهو الذي نُنكره ونطالب بدليله.

أوّلًا: دعوى بلا مستند

وهذه دعوى تاريخية، والدعاوى التاريخية تُطلب ببيّناتها. فيقال: أين الخبر؟ ومن نقل الواقعة؟ وفي أيّ كتابٍ ذُكرت؟ ومن قال بهذا قبلك من أهل العلم؟

فإن لم يكن ثمّ نقلٌ ولا مصدر، فهي تحليلٌ شخصيّ قِيل ليُبنى عليه ما بعده، لا خبرٌ يُحتجّ به. ومن ادّعى واقعةً كبرى في تاريخ الأمة لزمه من البيّنة بقدر دعواه؛ فإن حرق كتب طائفةٍ وإخفاءها حتى لا يُدرى أين هي ليس أمرًا يمرّ في التاريخ بلا أثر.

ثانيًا: الكتب التي تحتجّون بها تنقض الدعوى

وهذا هو الإلزام الذي لا مخرج منه. فإنكم تحتجّون في مجالسكم ومقاطعكم بكتب أهل السنة المسندة: «السنة» للخلال، و«السنة» لعبد الله بن أحمد، وكتب الأثرم، و«الشريعة» للآجرّي، و«الإبانة» لابن بطة، و«شرح أصول اعتقاد أهل السنة» للالكائي، وغيرها.

فيقال: هذه الكتب من أين جاءت؟ إن كانت أُحرقت وأُخفيت ولا يُدرى أين هي، فبأيّ شيءٍ تحتجّون؟ وإن كانت باقيةً منسوخةً متداولةً مقروءةً بالأسانيد حتى وصلت إلينا، فقد بطلت الدعوى بنفسها.

فأنتم تحتجّون بما تزعمون أنه فُقِد. وهذا تناقضٌ في نفس المجلس.

ثالثًا: لازمُها يصادم النصّ

ولازم هذه الدعوى أن يكون الدين قد انقطع سندُه في تلك القرون، وأن الأمة بقيت لا تجد مادة الحق. وهذا يصادم قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾؛ فإن حفظ الذكر يتضمّن حفظ بيانه.

ويصادم قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفةٌ من أمتي ظاهرين على الحقّ، لا يضرّهم من خذلهم، حتى يأتيَ أمرُ الله». فأين هذه الطائفة في تلك القرون إن كانت كتبُها أُحرقت ومادّتُها انقطعت؟

ويصادم ما تحتجّون به أنتم أنفسكم من قوله: «يحمل هذا العلم من كل خلفٍ عدولُه، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين». فهذا نصٌّ في أن العدول موجودون في كل خلف، لا في زمنٍ دون زمن.

رابعًا: وهي معارضةٌ بكلامه هو

وله كلامٌ قديم منشور يقول فيه:

لا يمكن لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أن تجتمع في زمنٍ من الأزمان على خطأ. فإن أجمعت على فهمٍ معيّن، فخلاص، هذا هو الصحيح.

لا يمكن أن الأمة التي تأمر بالمعروف تجتمع على باطل... فإذا اجتمعوا فذلك حبل الله، وهذا حصرًا هو الصراط المستقيم.

وهذا هو الحقّ الذي كان عليه. فليُطبَّق على المسألة: الأمة من عصر النووي إلى اليوم على تزكيته وإمامته، لم يشذّ عن ذلك عالمٌ معتبَر. فإما أن تكون قاعدتك الأولى حقًّا فيلزمك القول بإمامته، وإما أن تكون باطلًا فتُعلن الرجوع عنها. أما أن تُبقيها ثم تصنع لها تاريخًا بديلًا يُخرجها من محلّها، فذاك التماسُ مخرجٍ لا تحريرُ مسألة.

تسمية المغالطة

وهذه مغالطة تُسمّى: تفسير الظاهرة بالمؤامرة. فقد واجه الرجل واقعةً لا يستطيع دفعها، وهي أن علماء السنة قرنًا بعد قرن يُثنون على النووي وأمثاله. فبدل أن يراجع قوله، صنع تاريخًا يفسّر به الواقعة: كتبٌ أُحرقت، ومطابع أزهرية، وعلماء بنَوا على ما وقع في أيديهم.

ومعها ثانية: الطعن في النقلة ليسقط المنقول. فإن الثناء إذا رُدّ إلى «التأثر بمطبوعات الخصوم» لم يبقَ له وزن، فتسقط شهادة القرون كلِّها بضربةٍ واحدة، من غير مناقشة عالمٍ بعينه ولا نقلٍ بعينه.

ومن يفرح بهذا الكلام؟

وهذا الخطاب يخدم الأشاعرة قبل أن يضرّهم. فإن حاصله: أن أهل السنة انقطعت كتبُهم ودُثرت مادّتُهم، وأن علماء القرون المتأخّرة إنما تكوّنوا على مطبوعات مخالفيهم. فأيُّ منّةٍ أعظم يقدّمها أحدٌ لخصمه من هذه؟

ثم إن الذي يقول هذا يُقدَّم على أنه «المتحدّث الرسمي باسم شيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ محمد بن عبد الوهاب». وهو لا يمثّل واحدًا منهما، ولا معه تزكيةٌ من عالمٍ من علماء السنة. فإذا نُسب هذا القول إلى أهل السنة فقد شُوّهوا به وهم منه براء.

المآل

وثمرة هذا الأصل أن يُقال في كل عالمٍ خالفك: هذا لم يجد كتب أهل السنة. وفي كل إجماعٍ ينقض قولك: هذا إجماعٌ نشأ عن انقطاع المادة. فلا يبقى نقلٌ يُحتجّ به، ولا إجماعٌ يُلزِم، ولا عالِمٌ يُرجَع إليه. ويصير كلُّ من في التاريخ متّهمًا إلا واحدًا.

وجِماع الأمر

دعوى إحراق كتب أهل السنة وإخفائها لا مستند لها، وتنقضها الكتبُ المسندة التي يحتجّ بها صاحبُها نفسه، ويصادم لازمُها نصوصَ حفظ الدين وبقاء الطائفة المنصورة، وتعارضها قاعدتُه هو في أن الأمة لا تجتمع على خطأ.

والعلم لم ينقطع، والأسانيد متّصلة، والكتب مقروءةٌ محفوظة. وإنما يُصنع التاريخ البديل حين يُراد تبريرُ مخالفة الجميع؛ فمن لم يستطع أن يردّ الشهادة أنكر أهليّة الشهود.

كلّ الشبهات منهج التوثيق والتصحيح
وفي الباب

شبهاتٌ أخرى

  1. محمد بن شمس الدين يتهم الأمة بالضلال قرونًا طويلة، ويزعم أن كتب أهل السنة حُرقت وأن علماءها الحقيقيين انقرضوا بانقراض السلفمحمد بن شمس الدين
  2. دعوى أن ألف عالمٍ كفَّروا الأشاعرة، فيُكفَّر بها أعيانُهممحمد بن شمس الدين
  3. دعوى أن الدعوة السلفية هي التي أفرخت الحدادية، وأن محمد بن شمس الدين ثمرتُها الطبيعيةغلاة الأشاعرة