قياسُ تبدُّل رأي الخليفي على نسخ النبي صلى الله عليه وسلم: «حتى النبي ما يطلع لك»
نصّ الشبهة
احتُجّ على محمد بن شمس الدين بمقطعٍ قديم لعبد الله الخليفي يقول فيه إن الإمام النووي «جبلٌ من العلم»، وهو اليوم يكفّره. فأجاب بأن للرجل أن يغيّر قوله: «قد يقول هذا تقليدًا لمن كان يسمعه من المشايخ، فلما قرأ وتعلّم، عادي. كل إنسان له مقاطع قديمة يقول فيها أشياء قد يكون سمعها من مشايخه، ثم إذا تبيّن له غيرُها غيّر».
ثم قال: «إلا إذا كنتَ تظنّ أن الخليفي نبيّ، عند ذلك ستقول: صلى الله عليه وسلم، كيف غيّر كلامه؟». ثم ساق قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها»، وقال: «فنقول لك: النبي صلى الله عليه وسلم قال: كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها. حتى النبي ما يطلع لك. بدّك تقول إنه إيش، فوق النبي يعني؟».
من مقطعٍ مصوَّر منشور له، جوابًا عن سؤالٍ عن تبدُّل موقف عبد الله الخليفي من الإمام النووي.
ما نقرّره قبل كل شيء
لا نحكم على قصده، ولا ندّعي أنه أراد الوقيعة في النبي صلى الله عليه وسلم. وإنما نحكم على القياس نفسه وعلى لازمه، وهذا هو الذي يُناقَش ويُردّ. ومن ألزمَ رجلًا بما لم يقله فقد صنع ما نعيبه على غيرنا.
ونحن ندعوه إلى الرجوع عن هذه الكلمة والاعتذار عنها، لا على وجه التشنيع، بل نصيحةً؛ فإن الرجوع عن الزلّة أهونُ من الإقامة عليها.
الحلقة التي تنقصم بها الشبهة: النسخ ليس رجوعًا عن خطأ
وهذا هو موضع الخلل كلِّه. فإن القياس إنما يستقيم لو كان قول النبي صلى الله عليه وسلم الأولُ خطأً صحّحه بالثاني. وليس كذلك البتّة.
قوله الأول وحيٌ حقّ، وقوله الثاني وحيٌ حقّ. فالنهي عن زيارة القبور كان حقًّا في وقته لعلّته، وهي قربُ عهد القوم بالجاهلية وما فيها من الغلوّ عند القبور. فلما رسخ التوحيد في النفوس زالت العلّة، فأُذن في الزيارة لما فيها من تذكّر الآخرة. فالحكمان صوابٌ كلاهما، كلٌّ في محلّه وزمانه.
وهذا هو النسخ، وهو بابٌ من أبواب أصول الفقه معروف. والنسخ رفعُ حكمٍ شرعيٍّ بدليلٍ شرعيّ متأخّر، لا استدراكٌ على غلط. فمن جعل النسخ رجوعًا عن خطأ فقد جهل معنى النسخ من أصله.
وهنا ينكشف الأمر: الرجل يقيس تبدُّل رأي رجلٍ - لأنه «قرأ وتعلّم» بعد أن كان مقلّدًا - على نسخ النبي صلى الله عليه وسلم حكمًا بوحيٍ من الله. فيلزم من قياسه أن يكون قولُ النبي الأول خطأً تبيّن له بعد ذلك خلافُه. ونعوذ بالله من هذا اللازم، وحاشا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم منه.
والفرق الذي أضاعه: التشريع والدنيا
وقد فرّق أهل العلم في هذا الباب تفريقًا لا يخفى على مبتدئ:
أما الأحكام الشرعية - الحلال والحرام والواجب والمندوب - فليست من رأي النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هي بوحيٍ من الله. قال تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾. فأقواله فيها بمنزلة الحكم الإلهي، لا رأيٌ يُتراجَع عنه.
وأما أمور الدنيا فقد يجتهد فيها ويرجع، كما في حديث تأبير النخل، لمّا قال: «أنتم أعلمُ بأمر دنياكم». وهذا هو موضع الاجتهاد والرجوع في حقّه صلى الله عليه وسلم.
فالمثال الذي ضربه وقع في الباب الأول لا الثاني، وهو موضع الوحي المحض. ولو كان ضرب المثل بتأبير النخل لاختلف الكلام، وإن كان القياس فاسدًا على كل حال.
الإلزام الأكبر: ابن تيمية ينصّ على الفرق بلفظه
وهذا موضع الحسم. فإن هذا الرجل قُدِّم في لقاءٍ مصوَّر على أنه «المتحدث الرسمي باسم شيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ محمد بن عبد الوهاب»، وأُعلن ذلك «على مسؤولية القناة وعلى مسؤولية الشيخ محمد»، فلم يعترض.
فلننظر ماذا قال ابن تيمية في هذه المسألة بعينها. قال في «الرد على السبكي في مسألة تعليق الطلاق»:
والعالم إذا أفتى عاميًّا في مسألةٍ ثم تغيّر اجتهادُه، لم يجب على العاميّ أن يرجع عمّا أفتاه به؛ فإن الاجتهاد لا يُنقَض بالاجتهاد. ولو حكم حاكمٌ في مسألةٍ باجتهاد ثم تغيّر اجتهادُه، لم يُنقَض حكمُه فيها.
وأيضًا فالقول المتقدّم والمتأخّر للعالم كقول عالِمَين، ليس كقول نبيٍّ نُسِخ بآخر قوليه قولُه الأول؛ بل هما كقول عالِمَين يجوز أن يكون الحقُّ في كلٍّ منهما... لأن المجتهد ليس بنبيٍّ يُجزَم بأن قوله الثاني ناسخٌ للأول، بل هو قال أولًا باجتهاده كما قال ثانيًا باجتهاده... فقد يكون اجتهاده الأول أصوب، كما لو اختلف اجتهادُ رجلين.
فانظر: هذه العبارة بعينها ردٌّ على هذا القياس حرفًا بحرف. ابن تيمية يقول: قول العالم «ليس كقول نبيّ نُسخ بآخر قوليه قولُه الأول»، وأنت جعلته كقول النبي سواءً بسواء. وابن تيمية يقول: «لأن المجتهد ليس بنبيّ»، وأنت قلت: «إلا إذا كنت تظنّ أن الخليفي نبيّ».
فالمتحدّث باسم الرجل يقول ضدَّ ما قاله الرجل في المسألة نفسها. فأيُّ وكالةٍ هذه؟
الإلزام الثاني: أنت مقلّد بإقرارك
وقد قال بلسانه: «من ناحية عدم الانفراد نحن مقلّدة، ومن ناحية النظر في الكتاب والسنة نحن متّبعون. لا أحبّ كلمة مجتهد».
فإذا كنتَ مقلّدًا بإقرارك، فليس لك اجتهادٌ أصلًا، ولا يجري عليك بحثُ «تغيّر الاجتهاد» من قريبٍ ولا بعيد. فبأيّ شيءٍ خالفتَ الأمة في الإمام النووي؟ فإما أن تكون مجتهدًا فتُطالَب بأهلية الاجتهاد، وإما أن تكون مقلّدًا فيُقال: قلّدتَ من؟ ومن إمامُك في هذا القول؟
والإمام أحمد يقول: لا تتكلّم في مسألةٍ ليس لك فيها إمام. فمن إمامُك في تبديع النووي وتسويغ تكفيره؟ ليس ابنَ تيمية، فقد أثنى عليه. ولا الذهبيَّ، ولا ابنَ كثير، ولا ابنَ رجب، ولا ابنَ عبد الهادي، ولا ابنَ العطار. فسمِّه.
وأصلٌ لا بدّ من تقريره: تبدُّل القول ليس دليلَ صواب
وهذه هي الغفلة الكبرى في الاحتجاج كلِّه. فإنه احتجّ بأن الرجل غيّر رأيه وكأن التغيير في ذاته حجةٌ على صحّة المتأخّر. وليس كذلك.
فتغيّرُ القول لا يُشترط فيه أن يكون من باطلٍ إلى حق؛ بل قد يكون من حقٍّ إلى ضلال. وقد أخبر ابن تيمية في النصّ السابق أن الأول قد يكون أصوب.
والمثال حاضرٌ عندكم أنفسكم: فإن عدنان إبراهيم كان يقول في معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه قولَ أهل السنة، ثم غيّره إلى ما غيّره إليه، وقال: قرأتُ وبحثتُ فتبيّن لي. فأيُّ القولين الحقّ عندكم: الأولُ أم الأخير؟ ستقولون في نفَسٍ واحد: الأول. فقد أقررتم بالقاعدة حين كان الخصم غيرَكم.
بل أنتم أنفسكم كثيرًا ما تحتجّون على الناس بأقوالهم القديمة وتجعلونها دليلًا على أنهم ضلّوا الطريق. فإن كان القديم حجةً على غيركم، فلمَ صار المتأخّر وحده حجةً لكم؟
المآل
وخطورة هذه الكلمة أنها لا تقف عند مسألة الخليفي. فإن من سوّى بين رجوع العالم ونسخ الوحي فقد فتح بابًا لا يُغلق: يُقال في كل حكمٍ شرعي إنه رأيٌ قابلٌ للتبدّل، ويُقال في كل نسخٍ إنه استدراكٌ على غلط. وهذا نقضٌ لعصمة البلاغ من أصله.
والذي حمل على هذا كلِّه أمرٌ واحد: أن يُلتمَس للخليفي مخرجٌ من تناقضه. فأُتيَ إلى مقام النبوّة فجُعل شاهدًا في خصومة. ولو تُرك الرجل ليُسأل عن قوله لكان أهون.
وجِماع الأمر
قولُ النبي صلى الله عليه وسلم الأول حقّ، والثاني حقّ، وكلاهما وحي. وقول العالم الأول ظنّ، والثاني ظنّ، وقد يكون الأول أصوب. فليس بينهما قياسٌ بوجه.
وابن تيمية قد نصّ على هذا الفرق بلفظه، وهو الذي يُقدَّم هذا الرجل متحدّثًا باسمه. فالميزان الذي احتجّ به هو الميزان الذي يسقط به.
والواجب في مثل هذا الرجوعُ لا المكابرة. والزلّة في اللسان تُدرَك بكلمةٍ واحدة: أخطأتُ، وأستغفر الله. فإن أُقيم عليها بعد البيان فذاك أمرٌ آخر.
