دعوى أن الذهبي كثيرُ الغرائب في «السير»، وأن متن «الموقظة» فيه ضعفٌ ظاهر

قائلها: عبد الله بن فهد الخُليفي 15 أغسطس 2026

نصّ الشبهة

قال عبد الله الخُليفي في الإمام الذهبي: «الذهبي في ذلك الزمان حتى السبكي كان يتّهمه بمجاملة المخالفين، مجاملة الأشاعرة. حقيقةً الرجل له تعليقات ذكية جدًّا وله تعليقات رائعة في السير، لكن حقيقةً كثيرٌ من تعليقاته منتهية في الغرابة. الرجل له غرائب كثيرة في السير حتى خارج هذا السياق، والله لما كنت أقرأ أتعجّب».

وقال في متن «الموقظة»: «أنا حتى لما شرحتُ الموقظة، ترى المتن كان فيه ضعفٌ في سبك التعريفات بشكلٍ واضحٍ جدًّا».

ثم بنى على ذلك قاعدةً عملية فقال: «عليك أن تدرس من هو هذا الرجل قبل أن تستدلّ بكلامه في الحكم على الأشخاص أو الأفراد، أو التعقّب على زيدٍ أو عمرو».

من محاضرةٍ مصوَّرة منشورة له تزيد على الساعة، والكلامُ فيها مقصودٌ في الذهبي بعينه لا عارضٌ في سياق.

ما نسلّمه له

نسلّم أن الذهبي بشرٌ غيرُ معصوم، وأن له في «السير» و«الميزان» تعليقاتٍ تُناقَش ويُخالَف فيها، وأن أهل العلم تعقّبوه في مواضع. وهذا شأن كل مصنِّف. ونسلّم كذلك أن المتون تتفاوت في جودة السبك، وأن للناظر أن يستدرك على عبارةٍ في متنٍ ويقترح أوضح منها.

فلو وقف الكلام هنا لكان نقدًا سائغًا يُبحث. لكنّه لم يقف.

موضع النزاع: الخاتمة لا المقدّمة

فإن الكلام لم يُسق لتصحيح موضعٍ بعينه، ولم يُعيَّن غريبٌ واحد من تلك «الغرائب الكثيرة»، ولم تُذكر عبارةٌ واحدة من «الموقظة» يُبيَّن ضعفُ سبكها. وإنما سيقت الأوصاف مجملةً، ثم خُتمت بالحكم العملي:

عليك أن تدرس من هو هذا الرجل قبل أن تستدلّ بكلامه في الحكم على الأشخاص.

وهذه هي الكلمة التي تكشف المقصود. فليست الغاية تصحيحَ خطأ، وإنما تعليقُ الاحتجاج بالذهبي في باب الحكم على الرجال، وهو البابُ الذي هو إمامُه بإجماع من بعده. فإذا سقط الاحتجاج به هنا، سقطت تزكيتُه للنووي ولغيره، وهو المطلوب.

تسمية المغالطة

وهذه مغالطة تُسمّى: التشكيك المجمل. وهي أن يُلقى في الرجل وصفٌ عامٌّ لا يُمكن مناقشتُه، لأنه لم يُعيَّن. فمن أراد أن يردّ، بأيّ شيءٍ يردّ؟ الغرائب لم تُذكر، والتعريفات لم تُسمَّ. فالدعوى مصونةٌ من النقض لأنها بلا مادة، وهي مع ذلك نافذةٌ في نفس السامع.

ومعها ثانية: الاحتجاج بخصم الرجل عليه. فقد استُشهد بأن السبكي كان يتّهم الذهبي بمجاملة الأشاعرة. والسبكي أشعريّ، وخصمُ الذهبي في هذا الباب بعينه، فكيف يُجعل جرحُ الخصم في خصمه حجةً؟ وأنتم تردّون كلام الأشاعرة في غير هذا الموضع، فإذا وافق ما تريدون صار مقبولًا.

ثم إن السبكي على شدّته لم يقل قطُّ إن الذهبي لا يُحتجّ به في التراجم، ولا إن ترجمته للنووي غير صحيحة. فأنتم زدتم على خصمه في خصومته.

وأما «الموقظة» فالحجة عليه

و«الموقظة» متنٌ في علوم الحديث تلقّته الأمة بالقبول، تُشرح في الحلقات وتُدرَّس، وشرحها من شرحها من أهل العلم فلم يعبْ سبكَ تعريفاتها. فمن قرأ عبارة الذهبي فرآها ضعيفة السبك، فليعرض عبارةً واحدةً وليأتِ بأجودَ منها؛ فإن هذا هو ميدان الصنعة.

على أن في الكلمة نفسها ما يردّها: فإن الرجل يقول: «لمّا شرحتُ الموقظة». فهو يشرح متنًا يراه ضعيفَ السبك! فإن كان ضعيفًا فلمَ شرحتَه، وإن كان أهلًا لأن يُشرح فقد شهدتَ لصاحبه.

الإلزام: القاعدة تُدار على صاحبها

وقد وضع قاعدةً فقال: ادرس الرجل قبل أن تستدلّ بكلامه في الحكم على الأشخاص. حسنٌ، فهي قاعدةٌ مطّردة أو ليست بقاعدة.

فهذا الرجل الذي يُدرَس قبل الاحتجاج به: هل دُرس هو؟ ما مصنّفاته في هذا الفنّ؟ ومن زكّاه من أهل العلم؟ وما الذي قدّمه حتى يُنصَّب حَكَمًا على إمامٍ اتفقت الأمة على إمامته في هذه الصنعة بعينها؟

ثم إن الميزان لا يستقيم عنده. فهو يوثّق أبا نعيم الأصبهاني ويحثّ على «حلية الأولياء» ويصحّح من طريقه، وأبو نعيم يقرّر أن حروف القرآن مخلوقة ويصنّف في ذلك رسالة؛ لأنه يدفع إليه بالرواية. ثم يأتي إلى الذهبي فيعلّق الاحتجاج به لأنه زكّى النووي. فالميزان ليس ميزان علم، وإنما ميزان حاجة.

وأخصُّ من هذا

وقد جرت العادة أن يُقال: هذا كلامٌ مقطوعٌ من سياقه، والمحاضرة تزيد على الساعة. وهذا اعتذارٌ لا يُقبل هنا؛ لأن الاعتراض ليس على كلمةٍ عابرة، بل على حكمٍ مصرَّحٍ به وخاتمةٍ عملية بُنيت عليه. ومن قال في مجلسٍ طويل كلمةً جارحةً صريحة، لم يُصلحها طولُ المجلس.

وجِماع الأمر

أوصافٌ مجملة لا تُعيَّن: غرائب كثيرة لم يُذكر منها واحدة، وضعفُ سبكٍ لم تُعرض له عبارة، واستشهادٌ بخصمٍ أشعريّ على إمامٍ سنيّ. ثم خاتمةٌ عملية هي المقصود: علِّقوا الاحتجاج بالذهبي في باب الرجال.

والذهبي إمامٌ في القراءات والحديث والتراجم والسير، رجع إليه كلُّ من جاء بعده. فمن أراد نقضَ حكمٍ من أحكامه فليأتِ بالموضع والدليل، وذاك بابٌ مفتوحٌ لأهله. وأما إسقاط الصنعة كلِّها بأوصافٍ لا يُمسك منها بشيء، فهو هدمُ عروةٍ من عرى نقل هذا الدين، لا نقدٌ لعالم.

كلّ الشبهات منهج التوثيق والتصحيح
وفي الباب

شبهاتٌ أخرى

  1. محمد بن شمس الدين يتهم الأمة بالضلال قرونًا طويلة، ويزعم أن كتب أهل السنة حُرقت وأن علماءها الحقيقيين انقرضوا بانقراض السلفمحمد بن شمس الدين
  2. دعوى أن ألف عالمٍ كفَّروا الأشاعرة، فيُكفَّر بها أعيانُهممحمد بن شمس الدين
  3. دعوى أن الدعوة السلفية هي التي أفرخت الحدادية، وأن محمد بن شمس الدين ثمرتُها الطبيعيةغلاة الأشاعرة