وصفُ الذهبي بـ«اللسان المقطوع المزيَّف»، ورميُ تعقيبه بالمجازفة القبيحة
نصّ الشبهة
نقل الذهبي في «سير أعلام النبلاء» في ترجمة الحافظ ابن الجوزي كلامَ من تكلّم فيه، وأنه لم يرَ أحدًا يُوثَق بدينه وعلمه وعقله يرضى عنه. فعقّب الذهبي بقوله: «قلت: إذا رضي الله عنه فلا عبرة بهؤلاء».
فعلّق محمود الحدّاد على هذا التعقيب فقال: «فردّ الذهبي بلسانه المقطوع المزيَّف، قال: قلت: إذا رضي الله عنه فلا عبرة بهؤلاء». ثم قال: «وهذه مجازفةٌ قبيحة من الذهبي».
من كلامٍ مسجَّل له في التعقيب على ترجمة الذهبي لابن الجوزي.
أين المجازفة، وأين القبح؟
لنقف عند الكلمة المُنكَرة نفسها: «إذا رضي الله عنه فلا عبرة بهؤلاء». هذه جملةٌ شرطية، أداتُها «إذا»، وجوابُها معلَّقٌ عليها.
فالذهبي لم يجزم برضا الله عن ابن الجوزي، ولم يقل: هو من أهل الجنة، ولم يشهد له بشيء. وإنما قال: إن كان الله قد رضي عنه فلا يضرّه من تكلّم فيه. وهذا حقٌّ لا مِريةَ فيه، بل هو من بدهيّات الاعتقاد: أن رضا الله مقدَّمٌ على رضا الخلق، وأن من رضي الله عنه لم يضرّه سخط الناس.
فمن أين جاء وصفُها بأنها «مجازفة»؟ المجازفة أن يُجزم بما لا علم به. والذهبي لم يجزم، بل علّق. فالقبح في الفهم لا في العبارة؛ فُهمت الجملة الشرطية على أنها جملةٌ خبرية جازمة، ثم أُنكرت بناءً على هذا الفهم.
وهذا مطّردٌ في كلام أهل العلم
وليست هذه عبارةً شاذّةً اخترعها الذهبي، بل هي جاريةٌ على ألسنة الأئمة في الترجمة لمن مات، وخاصةً في السابقين. فإن الميّت قد أفضى إلى ما قدّم، وأُمنت عليه الفتنة، فيُذكر بخيره ويُوكل أمرُه إلى ربّه.
وقد نصّ أهل العلم على أن من أمارات القبول في الأرض انتشارَ علم الرجل، وانتفاعَ الناس بكتبه، وثناءَ أهل العلم عليه؛ ولم يُنكر ذلك أحد. وإنما هو رجاءٌ لا قطع، وأدبٌ مع الغيب.
تسمية الجناية
وأما قوله: «بلسانه المقطوع المزيَّف» فليست هذه عبارة نقدٍ علمي البتّة. ليس فيها حجةٌ تُناقَش، ولا دليلٌ يُوزن، ولا لفظٌ يُحرَّر. هي دعاءٌ على رجلٍ ميّت بقطع لسانه، ووصفٌ له بالتزوير.
وهذا هو الفرق الذي نُعنى بتقريره: القوة في الحجة لا في الصوت. والذي يملك أن يردّ يردّ بالبيان، والذي لا يملك يرفع صوته. فليس في هذا الكلام إلا الصوت.
ثم إن الذي يُوصف بالتزوير هو إمام أهل الجرح والتعديل في زمانه، وصاحب «سير أعلام النبلاء» و«تاريخ الإسلام» و«ميزان الاعتدال» و«تذكرة الحفاظ»، الذي لا يكاد يستغني عنه باحثٌ في هذا الفنّ. فمن رماه بالتزوير فقد رمى بذلك كلَّ من نقل عنه واعتمده، وهم عامّة أهل العلم بعده.
الإلزام
ونحن نُلزمه بميزانه هو. فإنه يجعل الطعن في العلماء موجبًا للإسقاط، ويجعل الكلمة الواحدة كافيةً في التبديع. فأيّ الكلمتين أولى بالإنكار: «إذا رضي الله عنه فلا عبرة بهؤلاء»، أم «بلسانه المقطوع المزيَّف»؟
الأولى تعليقٌ على شرطٍ في حقّ ميّت. والثانية دعاءٌ عليه ورميٌ له بالتزوير. فإن كانت الأولى تُسقط صاحبها، فالثانية أولى بذلك عند صاحب الميزان نفسه.
ثم إن هذا مِن أصله: أن يُهدَم الناقل ليسقط المنقول. فإن الذهبي زكّى النووي، فلم يُقدَر على ردّ التزكية بحجّة، فقُصد الذهبي نفسُه. والطعن في النقلة طعنٌ في المنقول، وهو أقصر طريقٍ إلى تعطيل التراث كلِّه.
المآل
وأصحابُ هذا الخطاب لم يقفوا عند الذهبي؛ فقد سبق منهم الكلامُ في النووي وابن حجر وأبي حنيفة، والكلامُ اليوم في الذهبي، والكلامُ غدًا في غيره. والعروة تُنقض بعد العروة حتى لا يبقى في الأمة عالمٌ يُؤخذ عنه إلا هم.
وهذه هي الفائدة العملية من عرض هذه الكلمة: أن يُعرف أصلُ المسلك عند رأس الطائفة، فلا يُقال إن ما يقع اليوم من فروعها حادثٌ عارض. الرأس قالها صريحةً، والأتباع يُلطّفونها ويوزّعونها.
وجِماع الأمر
كلمة الذهبي جملةٌ شرطية لا جزم فيها، جاريةٌ على أدب أهل العلم في الترجمة للأموات. ووصفُها بالمجازفة القبيحة فهمٌ فاسد. وأما «اللسان المقطوع المزيَّف» فليس نقدًا يُناقَش، وإنما هو سبٌّ لإمامٍ مضى إلى ربّه.
ومن عجز عن مناقشة الحجة فرماها بالسبّ، فقد أقرّ بعجزه من حيث أراد أن يُظهر قوّته.
