نسبةُ عبارة «والنووي رجلٌ أشعريّ العقيدة» إلى الذهبي بعد تراجع محقِّقها
نصّ الشبهة
ساق محمد بن شمس الدين في مناظرته عبارةً في آخر ترجمة النووي من «تاريخ الإسلام»، ونسبها إلى الذهبي، ونصُّها: «والنووي رجلٌ أشعريّ العقيدة معروفٌ بذلك، يبدّع من خالفه ويبالغ في التغليظ عليه»، وقال: «يعني الذهبي كان عارفًا عقيدة النووي».
فعُورض بمخطوطات الكتاب، وأُثبت أن العبارة مُدرجة ليست من كلام الذهبي، فقال: «عليك أن تقول إن محقّق الكتاب كذب صراحة»، والتزم أنه إن لم تكن من كلام الذهبي فسيعتذر.
ثم خرج المحقّق نفسه، الدكتور بشار عواد معروف، فأعلن أن العبارة ليست للذهبي وأنه أخطأ. ومع ذلك بقيت العبارة تُساق منسوبةً إلى الذهبي، ولم يقع الاعتذار الموعود.
من مناظرةٍ مصوَّرة منشورة له مع حسن الحسيني، ومن مقاطعَ لاحقة لها.
ما نسلّمه
نسلّم أن العبارة مطبوعةٌ في نسخةٍ متداولة من «تاريخ الإسلام»، وأن من نقلها أولَ الأمر معذورٌ في الجملة؛ فالمطبوع حجةٌ على من لم يقف على المخطوط. فليست القضية في النقل الأول.
القضية فيما بعد البيان. فإن الحجة إنما تلزم بعد ظهور الأصل، والعلمُ إنما يُعرف عند الرجوع لا عند الإصابة.
ما وقع بالترتيب
سيقت العبارة في المناظرة على أنها من كلام الذهبي، وبُني عليها أن الذهبي كان يعرف عقيدة النووي ويصفه بالأشعرية. فعُورض بالمخطوط، وقيل: هذه زيادةٌ مدرجة، وهذا خطأٌ من المحقّق.
فكان الجواب: «عليك أن تقول إن محقّق الكتاب كذب صراحة». وهذه مغالطةٌ لها اسم: الثنائية الزائفة. فليس في الأمر إلا احتمالان عنده: إما أن يكون النصّ صحيحًا، وإما أن يكون المحقّق كاذبًا. وقد أسقط الاحتمال الثالث الذي هو الواقع: أن يكون المحقّق أخطأ. والخطأ في قراءة خطٍّ قديم ليس كذبًا، وإنما هو من طبيعة الصنعة.
ثم خرج المحقّق نفسه فحسم المسألة بلسانه:
حقيقةً هذه العبارة ليست للذهبي. أنا أخطأتُ في وقتها، فلا بأس بأنني أخطأت، وظننتُ أن قوله «والنووي رجلٌ أشعريّ العقيدة معروفٌ بذلك، يبدّع من خالفه ويبالغ في التغليظ عليه» أن هذا من خطّ الذهبي، وهذا خطأ. هذا من خطّ السبكي. ويشهد الله أن هذا القسم مشطوبٌ في نسختي من «تاريخ الإسلام». والإنسان يتراجع عن خطئه، والمفروض في كل إنسانٍ يخطئ أن يقول: إنني أخطأت، فلا يوجد إنسانٌ معصوم.
فسقطت الحجة، وبقي المحتجّ
وهنا موضع الحكم. فالذي ألزم خصمه بأن يتّهم المحقّق بالكذب، ثم جاءه المحقّق بنفسه فأعلن الخطأ، لم يبقَ له متعلَّق. وقد كان التزم الاعتذار إن ثبت أنها ليست من كلام الذهبي. فثبت، ولم يعتذر.
ولو أنه خرج فقال: أخطأتُ، وقد اعتمدتُ المطبوع فتبيّن خلافه، لكان ذلك رافعًا لعهدته، غيرَ ناقصٍ من قدره شيئًا. فإن بشار عواد لم ينقص قدرُه بتراجعه، بل ازداد؛ ولذلك أثنى عليه من يخالفه ومن يوافقه.
وهذا هو الفرق بين العالم وغيره: العالم يُظهر الحقّ ولو على حساب نفسه، والجاهل يتمسّك بجهله لأنه جعل المسألة قضية حياة. ومن جعل قوله في رجلٍ عمادَ مشروعه لم يعد يقدر على الرجوع؛ لأن الرجوع يهدم عليه ما بناه.
وتناقضٌ في ميزان المحقّقين
ثم يقال: أنت تحتجّ بالمطبوع وترفض المخطوط حين يكون المطبوع في صالحك؛ فإذا جاء ما يوافق هواك من كلام الشريف حاتم العوني نشرتَه على قناتك واحتججتَ به، وهو عندك مبتدعٌ يسوغ تكفيره على أصلك. فالميزان ليس ميزان صحّة، وإنما ميزان موافقة.
والعبارة نفسها: أنت تحتجّ بها على النووي، وهي من خطّ السبكي، والسبكي عندك أشعريّ. فصرتَ تحتجّ بالأشعريّ على إمامٍ من أئمة الإسلام. ثم إن السبكي مع شدّة كلامه على الذهبي، واتهامِه إياه بالميل على الأشاعرة، لم يقل قطُّ إن الذهبي لم يُحسن ترجمة النووي. فأنت زدتَ على السبكي في الطعن.
الأثر
ودلالة الواقعة أكبر من العبارة. فإن العبارة سقطت، والذي بقي هو المسلك: أن يُنقل ما يوافق، ثم إذا ظهر بطلانه لم يُسحب، ولم يُعتذر، ولم تُحذف المقاطع. ومن تكرّر منه هذا بعد التنبيه الموثّق فقد صار نقلُه غيرَ مأمونٍ في هذه القضية؛ وهذا حكمٌ على الضبط والأمانة، لا على الباطن.
وجِماع الأمر
عبارةٌ نُسبت إلى الذهبي، فتبيّن أنها من خطّ السبكي، بشهادة محقّق الكتاب الذي احتُجّ بتحقيقه، وقد أعلن رجوعه على الملأ. والذي احتجّ بها التزم الاعتذار إن سقطت، فسقطت ولم يعتذر.
وليست المسألة أن يخطئ الرجل؛ فكلٌّ يخطئ. المسألة أن يُقيم على الخطأ بعد بيانه، ويُبقيه منشورًا يتلقّاه الناس. فالإصرار بعد البيان هو الذي يُحاسَب عليه، لا الخطأ الأول.
