دعوى أن الذهبي لم يقرأ كتب النووي ولا يعرف عقيدته
نصّ الشبهة
احتُجّ على محمد بن شمس الدين بثناء الإمام الذهبي على النووي وتزكيته إياه، فأجاب بأن ذلك لا يُعتدّ به لأن الذهبي لم يكن يعرف حقيقة عقيدة النووي.
قال: «أنت قلت: الذهبي يقول عن النووي: ربما تأوّل قليلًا. صحيح. هذا دليلٌ أنه الذهبي ما كان يعرف تأويلات النووي، وبالتالي مدحه». فقيل له: يعني الذهبي لا يعلم؟ قال: «الذهبي لا يعلم، وأنت تعلم. أيش، ما يعلم الغيب الذهبي؟».
وقال في موضعٍ آخر: «مثل الذهبي، هو كان يقول: ربما تأوّل قليلًا. هذا يدلّ على أن الذهبي ما قرأ كل كتب النووي، أو ما قرأ كتب النووي».
من مقاطعَ مصوَّرة منشورة له، كرّر فيها هذه الدعوى غير مرة، ومن لقاءٍ له مع من احتجّوا عليه بثناء العلماء على النووي.
تحرير محل النزاع
نسلّم أن الذهبي غيرُ معصوم، وأنه بشرٌ يخطئ ويصيب، وأن تزكيته ليست حجةً شرعية قاطعة بذاتها. هذا كلُّه مسلَّم، ولا نبني عليه شيئًا.
وإنما النزاع في دعوى بعينها: أن الذهبي لم يقرأ كتب النووي، ولا يعرف عقيدته. وهذه ليست تخطئةً لاجتهاده، بل هي حكمٌ على أهليّته في صنعته التي هو إمامُها. فالذهبي إمام أهل التراجم والسير والتاريخ والجرح والتعديل، فإذا قيل: ترجم لرجلٍ ولم يقرأ كتبه، فقد أُسقطت صناعتُه كلُّها لا هذه الترجمة وحدها.
الحلقة التي تنقصم بها الشبهة
قال الذهبي: «وربما تأوّل قليلًا في شرح مسلم». فتأمّل: كيف عرف أنه تأوّل، وأين تأوّل، وأنه في «شرح مسلم» دون غيره، وأن ذلك قليلٌ لا كثير؟
هذا حكمٌ لا يُنتزع إلا من قراءةٍ وجردٍ وموازنة. فالجملة التي جُعلت دليلًا على أنه لم يقرأ، هي بعينها دليلٌ على أنه قرأ. ولو لم يقرأ لما عرف أن ثمّ تأويلًا أصلًا، فضلًا عن أن يعرف قدره وموضعه.
ومن نظر في «ربما» و«قليلًا» علم أنهما لفظا رجلٍ يزن الكلام وزنًا، لا لفظا رجلٍ يحكم على غير علم. والذي يقول «ربما» هو الذي قرأ، أما الذي لم يقرأ فيسكت أو يُطلق.
ثم القرائن كلُّها ضدّ الدعوى
ولْيُنظر في حال الرجلين قبل أن يُحكم:
الزمان: وُلد الذهبي سنة 673 هـ، وتوفي النووي سنة 676 هـ. فهما في عصرٍ واحد، والذهبي ابنُ ثلاث سنين حين مات النووي، لا يترجم لرجلٍ بينه وبينه قرون.
المكان: كلاهما من الشام، ودمشق وما حولها موطنُهما جميعًا. فآثار النووي ومجالسه وتلاميذه وكتبه كانت بين يدي الذهبي في بلده.
المذهب: كلاهما شافعيّ، ينتسب إلى مذهبٍ واحد. فكتب النووي هي كتب مذهبه التي يقرؤها ويدور عليها أهل بلده.
الشيخ: وهذه أقواها. فإن علاء الدين ابن العطار أخصَّ تلاميذ النووي وألزمَهم له، هو شيخُ الذهبي المباشر الذي أخذ عنه ونقل عنه في كتبه. فالذهبي يأخذ عن الرجل الذي لازم النووي وترجم له. فلو كان في كلام النووي ما يُنكَر لكان ابن العطار أوّلَ من يعلمه ويُعلمه تلميذَه.
والذهبي يسرد كتب النووي كتابًا كتابًا
وهذا يقطع النزاع قطعًا. فإن الذهبي في «تاريخ الإسلام» يقول عن النووي: «وقد نفع الله الأمة بتصانيفه، وانتشرت في الأقطار»، ثم يسرد له:
«المنهاج» في شرح مسلم، وكتاب «الأذكار»، وكتاب «رياض الصالحين»، وكتاب «الأربعين»، وكتاب «الإرشاد» في علوم الحديث، وكتاب «التيسير» مختصر الإرشاد، وكتاب «المبهمات»، وكتاب «التحرير» في ألفاظ التنبيه، و«العمدة» في تصحيح التنبيه، و«الإيضاح» في المناسك، و«الإيجاز» في المناسك.
ثم يستوعب ما لم يتمّه النووي: قطعةً من شرح البخاري، وقطعةً جيدة من أول «الوسيط»، وقطعةً في الأحكام، وقطعةً كبيرة من «تهذيب الأسماء واللغات»، وقطعةً مسوّدة في طبقات الفقهاء، وقطعةً في «التحقيق» في الفقه إلى باب صلاة المسافر.
ثم ينقل عن شيخه ابن العطار ما هو أدلُّ من ذلك كلِّه:
ولقد أمرني مرةً ببيع كراريسَ نحوِ ألف كرّاس بخطّه، وأمرني أن أقف على غسلها في الوَرّاقة، فلم أخالف أمره، وفي قلبي منها حسرات.
فهذا رجلٌ يعرف كتبَ النووي المطبوعة والمخطوطة والتامّة والناقصة، ويعرف ما أتلفه النووي بيده من مسوّداته، ويعرفه بواسطة أخصّ تلاميذه. ثم يقال: لم يقرأ كتبه، ولا يعرف عقيدته!
تسمية المغالطة
وهذه المغالطة تُسمّى: الحكم على الباطن بلا دليل. فالرجل لم يقل: أخطأ الذهبي في هذه الكلمة والصواب كذا؛ وإنما قال: لم يقرأ. وهذا خبرٌ عن فعلٍ لم يشهده، ودعوى علمٍ بما في صدر رجلٍ مات قبل قرون.
ومعها ثانية: قياسُ الأئمة على النفس. فالذي يتخيّل أن الذهبي يمسك الكتاب فيقرأ فيه صفحتين، أو يفتح المكتبة الشاملة فيبحث عن كلمة، إنما يقيسه على صنيعه هو. والذهبي إمامٌ في القراءات والحديث والتراجم والسير، لا يترجم لرجلٍ حتى يستوعبه.
الإلزام: أنت الذي لم تعرف الكتب
وأعجبُ ما في الباب أن الذي يقول: «الذهبي لم يقرأ كتب النووي» هو نفسُه الذي قيل له في المناظرة: قال النووي في شرح البخاري كذا، فأنكر أن يكون للنووي شرحٌ على البخاري أصلًا. وقد رأيتَ الذهبي قبل قليل يعدّ منها «قطعةً من شرح البخاري».
فأنت لم تعرف أسماء كتب الرجل الذي صنّفتَ في عقيدته كرّاسةً، والذهبي يعدّها عليك عدًّا. فمن الذي لم يقرأ؟
وهذه بدهيّةٌ من بدهيات العلم: من أراد أن يتكلم في عقيدة رجل لزمه أن يترجم له، ثم يجرد كتبه جردًا، ثم يستخرج المواضع. أما أن يُبحث في المكتبة الشاملة عن كلمةٍ فتُنقل مواضعُها، فذاك عملٌ آخر لا يُسمّى بحثًا.
الإلزام الثاني: ماذا يبقى من ميزان الجرح والتعديل؟
والذهبي إنما نُثني عليه لأنه لا ينقل أحكام الناس، بل يجتهد فيحكم. فهو الذي يقول: فلانٌ ثقة، وفلانٌ صدوق، وفلانٌ ليّن، من نظرٍ وبحثٍ وجهد. فإن قلنا: يحكم على رجلٍ لم يقرأ كتبه، فقد سقط كتابه كلُّه، وسقط معه كلُّ من بنى عليه، وهم عامّة من جاء بعده.
ثم إنه ترجم للنووي بـ«الإمام الحافظ الأوحد القدوة شيخ الإسلام»، وأطال في ترجمته صفحات، ورجع إليها كلُّ من جاء بعده فلم يعترض عليها. فإن كان زكّى من لا يعرف، فهذا تضليلٌ للأمة من بعده، وهي تهمةٌ أشدّ ممّا يُتصوَّر.
المآل
وهذه العروة تُنقض بعد العروة. طُعن في أبي حنيفة فخرجنا نذبّ عنه، ثم في النووي فخرجنا نذبّ عنه، واليوم في الذهبي. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَتُنقضَنَّ عُرَى الإسلامِ عُروةً عُروةً، فكلَّما انتُقضت عروةٌ تشبَّث الناسُ بالتي تليها». وقال: «يَدرُسُ الإسلامُ كما يَدرُسُ وَشْيُ الثوب»؛ كلما غُسل الثوب بهت لونُه درجةً درجة.
والغاية معلومة: أن يُقال في آخر المطاف: لا عالمَ بعد الإمام أحمد إلا نحن.
وجِماع الأمر
وأخيرًا: هَبْ أنّا سلّمنا لك الدعوى كلَّها، وأخرجنا الذهبي من الميزان. ماذا يتغيّر؟ فإن قبله وبعده مئاتٍ من العلماء متواردين على تزكية النووي والثناء عليه. فالقائمة لا تنقص برفع اسمٍ منها.
بل لو أن الذهبي طعن في النووي لكان ذلك عليه لا له؛ لأنه حينئذٍ يكون قد خالف ما عليه أهل العلم قبله وبعده. وإنما أفاد الذهبيَّ نفسَه أنه قال الحقّ في هذا الباب.
