دعوى أن النووي يجيز الذبح باسم النبي صلى الله عليه وسلم
نصّ الشبهة
عرض محمد بن شمس الدين صفحةً من «روضة الطالبين» للإمام النووي في مسائل الذبح، فيها أن الذابح لو قال: «باسم الله وباسم محمد»، وأراد: أذبح باسم الله وأتبرّك باسم محمد، «فينبغي أن لا يحرم».
فبنى على هذا الموضع أن النووي يجيز الذبح باسم النبي صلى الله عليه وسلم، أي الذبح لغير الله، وأنه يُقرّ الناس على أن يذبحوا على اسمه صلى الله عليه وسلم وليس هذا عنده محرَّمًا.
وهذه المسألة عنده من جملة ما بنى عليه حكمه على عقيدة النووي في كرّاسته «عقيدة النووي وبيان قول السلف فيها».
من مقطعٍ مصوَّر منشور له، عرض فيه صورة الصفحة من «روضة الطالبين»، ومن كرّاسته في عقيدة النووي.
ما نقرّره أولًا ولا نساوم عليه
الذبح لغير الله على وجه التعظيم والعبادة شركٌ أكبر مخرجٌ من الملّة. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ﴾، وقال: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. وفي «صحيح مسلم» عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لعن الله من ذبح لغير الله».
فهذا أصلٌ لا نداري فيه أحدًا، ولا نلتمس لمن خالفه مخرجًا يزيّنه. وليس النزاع فيه بحمد الله.
وإنما النزاع في دعوى واحدة: هل قال النووي بجواز الذبح لغير الله؟ فهذه هي التي عرضناها على كتابه، فإذا كتابُه يشهد بضدّها في الصفحة التي طُويت.
الصفحة التي طُويت
قبل الموضع المعروض بصفحة، وفي الكتاب نفسه، وفي المسألة نفسها، يقول النووي:
ولا يجوز أن يقول الذابح والصائد: باسم محمد، ولا: باسم الله واسم محمد؛ بل من حقّ الله تعالى أن يجعل الذبح باسمه، واليمين باسمه، والسجود له، ولا يشاركه في ذلك مخلوق.
ثم نقل عن «الوسيط» أنه لا يجوز أن يقول: «باسم الله ومحمدٍ رسولِ الله» بجرّ «محمد»، وعلّل ذلك بكلمةٍ واحدة قاطعة: «لأنه تشريك».
ثم قال، وهذا هو النص الذي يقصم الدعوى قصمًا:
واعلم أن الذبح للمعبود وباسمه نازلٌ منزلة السجود له، وكلُّ واحدٍ منهما نوعٌ من أنواع التعظيم والعبادة المخصوصة بالله تعالى الذي هو المستحقّ للعبادة؛ فمن ذبح لغيره من حيوانٍ أو جمادٍ كالصنم على وجه التعظيم والعبادة لم تحلّ ذبيحته، وكان فعله كفرًا.
فالنووي يمنع اللفظ، ويسمّيه تشريكًا، وينزّل الذبحَ للمعبود منزلة السجود له، ويحكم على فاعله بأن فعله كفر. هذا كلامه في الصفحة السابقة على الصفحة التي عُرضت.
تسمية المغالطة
هذا بترٌ باصطلاح أهل العلم لا بالتشنيع: حذفُ كلامٍ يتغيّر به المعنى. ولا يقال هنا: «موضع الشاهد يكفي»؛ لأن المحذوف ليس شرحَ ألفاظٍ ولا استطرادًا، بل هو حكم المسألة نفسها، وهو نقيض ما نُسب إلى الرجل.
ومعه مغالطةٌ ثانية: نقل الكلام من بابٍ إلى باب. فالمسألة المعروضة في تلفّظ الذابح باسم النبي صلى الله عليه وسلم على وجه التبرّك، والحكم المذكور فيها في حلّ الذبيحة: أتؤكل أم لا. وهي مسألةٌ في الأكل. فنُقلت إلى باب المذبوح له، وجُعلت إجازةً لصرف العبادة إلى غير الله. وشتّان بين البابين: النووي يتكلم على لسان الذابح، فجُعل متكلمًا على معبوده.
وفي الموضع ما يُنكر، ولا يُدفع بتزيينه
ونحن لا ندفع عن الإمام بتحسين ما لا يُحسَّن. فالمسلك الذي نرتضيه في هذا الباب سدُّ الذريعة: فلا يُقرَن اسمُ مخلوقٍ باسم الله في ذبيحة ولا في يمين، ولو أراد قائلُه التبرّك؛ لأن العامّة لا تفرّق، ولأن الشرك إنما دخل على الأمم من هذا الباب. ومن أطلق في هذه الصورة عبارةً موهمة فعبارتُه تُنكَر وتُقيَّد، ولا يُقال: أحسنَ.
لكن هذا شيءٌ، ودعوى أنه يجيز الذبح لغير الله شيءٌ آخر. الأول تخطئةٌ في عبارة، والثاني نسبةُ شركٍ إلى إمام. والمسافة بينهما لا تُقطع بموضعٍ مبتور، بل بالنص التام. ومن أراد أن يستدرك على النووي في هذا الموضع فالطريق مفتوح: يعرض كلامه كلَّه، ثم يستدرك. وهذا هو الذي حرم نفسه منه بالبتر؛ إذ لو عرض النص تامًّا لبقي له استدراكٌ صحيح، ولكنه أراد ما هو أكبر: أن يخرج من كلام الرجل إجازةَ الشرك، فلم يبلغه إلا بحذف نصف المسألة.
الإلزام: رمتني بدائها وانسلّت
وأعجب ما في الباب أن هذه الواقعة جاءت في سياق تشنيعه على غيره بالبتر، وعدّه عليه مئة كلمةٍ وكلمة حذفها من شرح ألفاظٍ لا يتغيّر بها المعنى.
فهذا رجلٌ يزن الناس بميزانٍ ويزن نفسه بآخر: حذفُ مئة كلمةٍ من شرحٍ عنده تدليس، وحذفُ صفحةٍ فيها لفظُ «تشريك» ولفظُ «كفر» عنده تحقيق. ولو أن هذا الميزان أُجري على صاحبه لسقط به قبل غيره.
ثم إلزامٌ ألزم: أنت تعلّم أتباعك أن العالم إذا وقع في موضعٍ موهمٍ سقطت إمامته وحلّ عرضه. فماذا يكون حكمُ من يقع في البتر لا في موضعٍ واحد بل في مواضع، ويُنبَّه فلا يرجع؟ إن أنت أعملتَ قاعدتك في نفسك سقطتَ، وإن استثنيتَ نفسك فقد أقررتَ أن القاعدة لم تكن قاعدةً قط، وإنما هي سيفٌ يُشهر على المخالف ويُغمَد عند النفس.
المآل
وهذا الصنيع إذا اطّرد لم يقف عند النووي. فإن كتب الفقه مملوءةٌ بمسائل تُفصَّل فيها الصور: هذه تحرم، وهذه تُكره، وهذه لا تحرم؛ فمن أخذ صورةً واحدة وطوى ما قبلها استخرج من كل إمامٍ ما شاء، وأخرج المكتبة الإسلامية كلَّها اعترافاتٍ مزوَّرة. وهذا هو الذي يقع، ثم يُبنى عليه امتحانُ الناس وتكفيرُهم.
وجِماع الأمر
النووي في الصفحة التي طُويت: يمنع أن يقول الذابح «باسم الله واسم محمد»، وينقل أنه تشريك، ويجعل الذبح للمعبود نازلًا منزلة السجود، ويحكم بأن فعل من ذبح لغير الله على وجه التعظيم والعبادة كفر.
فمن نسب إليه بعد هذا أنه يجيز الذبح لغير الله فقد قال عليه ما لم يقل. والصفحة موجودةٌ في الكتاب، لم تُطبع سرًّا، ولم تُخفَ عن أحد. وإنما طُويت لتستقيم الدعوى، ولو نُشرت لسقطت.
