دعوى أن النووي إنما أوجب العمل بخبر الآحاد في العبادات دون العقائد

قائلها: محمد بن شمس الدين 15 أغسطس 2026

نصّ الشبهة

عرض حسن الحسيني قولَ الإمام النووي في «شرح صحيح مسلم» على حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه حين بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، فذكر طرفًا من الحديث: «فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله»، ثم قال: قال النووي: «وفي هذا الحديث قبول خبر الواحد ووجوب العمل به».

فاعترض محمد بن شمس الدين وقال إن هذا نقلٌ مبتور، وأن الحسيني «أسقط بينهما مئة كلمة وكلمة، ليوهم الناظر والسامع أن النووي قال ذلك عن الشهادتين، مع أنه كان يتكلم عن العمل لا عن الاعتقاد».

ثم بنى على ذلك تقييدًا في كلام النووي، فزعم أن مراده وجوبُ العمل بخبر الآحاد في العبادات وحدها لا في العقائد، واستدل بأن «حديث معاذ فيه الصلاة والزكاة والصيام».

من مقاطعَ مصوَّرة منشورة له في التعقيب على حسن الحسيني، وموضعُ النزاع صفحةٌ من «شرح صحيح مسلم» عرضها الرجلان جميعًا.

ما نسلّمه له قبل أن ننازعه

نسلّم له أن البتر خيانةٌ في النقل، وأن حذف الكلام الذي يتغيّر به المعنى جنايةٌ على صاحبه، وأن من فعله فقد أسقط الثقة بنقله في تلك القضية. هذا أصلٌ نقرّره ولا نداهن فيه، سواءٌ وقع من موافقٍ أو مخالف.

فليس النزاع في حرمة البتر. النزاع في أمرين اثنين: هل ما صنعه الناقل بترٌ أصلًا؟ ثم: هل في كلام النووي هذا التقييد الذي أضافه إليه؟ وسيتبيّن أن الجواب عن الأول: لا، وأن الجواب عن الثاني: لا. وأن الذي زاد على النص ما ليس فيه هو المعترض نفسه.

الحلقة التي تنقصم بها الشبهة: «في هذا الحديث»

قال النووي: «وفي هذا الحديث قبول خبر الواحد ووجوب العمل به». فانظر إلى الضمير: على أيّ شيءٍ عاد؟ عاد على الحديث، لا على الصلاة، ولا على الزكاة، ولا على شطرٍ منه دون شطر.

وحديث معاذ أوّلُ ما فيه: «فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله». فهذا توحيدٌ ورسالة، وهو أصل الاعتقاد كلِّه. ثم جاءت بعده الصلاة والزكاة.

فالنووي أحال على الحديث بتمامه، والحديث جامعٌ للعقيدة والعمل. فمن أين جاء التخصيص بالعبادات؟ جاء من خارج النص، أُلصق به إلصاقًا. وهذه بعينها الزيادة على كلام المؤلف بقيدٍ لم يذكره، وهي أشدّ من الاختصار الذي عابه؛ لأن المختصر يترك، وهذا يُدخل.

ميزان البتر: ليس كلُّ اختصارٍ بترًا

البتر عند أهل العلم: حذفُ كلامٍ يتغيّر به المعنى، لا مجرّد اختصارٍ لا يخلّ بالدلالة. ولو كان كلُّ اختصارٍ بترًا لبطل الاستدلال بكل نقلٍ في الدنيا، ولوجب على من أراد الاحتجاج بسطرٍ أن ينسخ المجلد.

والاقتباس أمينٌ إذا سلمت فيه ثلاثة: أن تبقى نسبةُ القول إلى صاحبه واضحة، وألا يُحذَف قيدٌ مؤثّر، وألا تتغيّر وظيفةُ العبارة. وهذه الثلاثة سالمةٌ هنا كلُّها.

ثم إن على مدّعي البتر واجبًا لا يسقط عنه: أن يعرض المحذوف ويبيّن أثره، فيقول: هذا القيد ينقل الحكم من العموم إلى الخصوص، أو هذا السابق يثبت أنه حكايةٌ لا تقرير. أما أن يقال «حذف مئة كلمة وكلمة» ثم يُسكت عن مضمونها، فهذا عدُّ حروفٍ لا محاكمةُ استدلال.

فما الذي في تلك المئة كلمة؟

هو شرحُ بقيّة ألفاظ الحديث: كلامُ النووي على الصلوات الخمس، وعلى الصدقة المأخوذة من الأغنياء المردودة على الفقراء، وعلى «كرائم أموالهم»، وعلى قوله: «واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب». هذا هو المحذوف.

فأين فيه قيدٌ يقصر «قبول خبر الواحد» على العبادات؟ ليس فيه حرفٌ واحد من ذلك. بل هو شرحُ ألفاظٍ لا حكمَ فيه على المسألة الأصولية أصلًا.

وضع النسختين جنبًا إلى جنب يحسم الأمر: هل تغيّر الفاعل؟ هل انقلب الجزم احتمالًا؟ هل ضاق العموم؟ هل ظهر أن النووي يحكي لا يقرّر؟ لا شيء من ذلك. فالمطالبة بعرض المزيد هنا إغراقٌ لا تحقيق.

والفوائد التي عدّها النووي في الموضع نفسه تكذّب الدعوى

وهذا موضعُ القصم. فإن النووي لم يذكر «قبول خبر الواحد» مفردًا، بل ساقه في سياق فوائد الحديث. فمما عدّه في الموضع نفسه:

أن السنة أن يُدعى الكفار إلى التوحيد قبل القتال.

أنه لا يُحكم بالإسلام إلا بالنطق بالشهادتين.

فهاتان فائدتان عَقَديّتان محضتان، مسوقتان في نسقٍ واحد مع «قبول خبر الواحد ووجوب العمل به». فكيف يكون الحديث عند النووي في العبادات وحدها، وهو يستخرج منه في الموضع عينه حكمَ الدعوة إلى التوحيد وحكمَ الدخول في الإسلام؟

فالتقييد بالعبادات يكذّبه سياقُ الفوائد الذي وردت فيه العبارة. ومن قرأ الصفحة كلَّها - وهو الذي يطالب غيره بقراءتها - لم يخفَ عليه هذا.

ثم الحديث نفسه ينقض الدعوى

تأمّل: النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذًا وحده - وهو خبر واحد - إلى قومٍ أهلِ كتاب، وأوّلُ ما أمره به أن يدعوهم إلى التوحيد والشهادتين. فلو كان خبر الواحد لا تُبنى عليه العقائد، لكان بعثُ معاذ عبثًا في أصل الأصول.

وهكذا كان بعثُ الرسل والدعاة إلى الآفاق، وكلٌّ منهم يُقرّر عند قومه التوحيدَ والرسالة بخبره. فالنقض هنا واقعٌ في صميم الشريعة العملية، لا في تخريجٍ نظري.

والنصوص في الباب محكمة

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾. فعلّق التبيّن بفسق المخبر، ومفهومه أن العدل يُقبل خبره؛ ولم يفرّق بين نبإٍ في عملٍ ونبإٍ في اعتقاد.

وقال سبحانه: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾. و«الدين» هنا مطلقٌ يعمّ أصولَه وفروعه، والطائفة تصدق على الواحد.

وفي «الصحيحين» أن أهل قباء كانوا في صلاة الصبح، فأتاهم آتٍ فأخبرهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أُنزل عليه قرآنٌ وأُمر أن يستقبل الكعبة، فاستداروا وهم في الصلاة. فقبلوا خبر الواحد في نسخ حكمٍ ثابتٍ بالقرآن، وحوّلوا وجوههم عن قبلةٍ كانوا عليها. وهذا من أجلّ ما يكون. وقد عقد الشافعي في «الرسالة» بابًا في الحجة في تثبيت خبر الواحد ساق فيه هذا الجنس من الوقائع.

الإلزام

أنت أنكرت على الرجل أنه اقتصر على موضع الشاهد وترك ما قبله، وعددتَ عليه الكلمات عدًّا: مئةٌ وكلمة. حسنٌ. فقد ألزمتَ نفسك بميزانٍ، ونحن نرضاه منك.

فإذا كان حذفُ شرحٍ لا يتغيّر به المعنى بترًا يُشنَّع به، فما القول فيمن يحذف صفحةً كاملة فيها نصُّ التحريم والتكفير، ثم يعرض ما بعدها ليصنع من الإمام صورةً لا وجود لها في كلامه؟ وهذا واقعٌ منه في الموضع الآخر من كلام النووي، وقد أفردناه بصفحته.

ثم إلزامٌ ثانٍ: أنت لم تقتصر على الحذف، بل أضفتَ إلى النص قيدًا ليس فيه وهو «العبادات دون العقائد». والزيادة على المؤلف أشدّ من الاختصار؛ لأن المختصر غايتُه أن يُقصّر، وأما أنت فقد نطقتَ عنه بما لم ينطق. فأيّ الصنيعين أقرب إلى ما تسمّيه أنت بترًا وتدليسًا؟

المآل

ولينظر الشاب الذي يُساق خلف هذه الطريقة إلى ما تصنع: إذا صار كلُّ اقتباسٍ متّهمًا حتى يُنسخ الكتاب كلُّه، فقد تعطّل النقل، وسقط الاحتجاج بكلام العلماء أصلًا، وصار الميدان لمن يملك أن يصرخ لا لمن يملك أن يحتجّ. وهذا هو الذي يُبنى عليه: يُتَّهم الخصم بالبتر لتُسقَط حجّتُه من غير مناقشتها، ثم يُصنع بالنصوص ما شاء الهوى.

وجِماع الأمر

النووي قال «في هذا الحديث»، والحديث أوّله الشهادتان. وعدّ في فوائده الدعوةَ إلى التوحيد قبل القتال، والحكمَ بالإسلام بالنطق بالشهادتين. والمحذوف شرحُ ألفاظٍ لا قيدَ فيه. فلا بترَ في النقل، ولا تقييدَ في كلام النووي.

وإنما هي دعوى بترٍ لم تُقَم عليها بيّنة، وتقييدٌ لم يقله صاحبُ الكتاب. ومن عدّ على الناس كلماتِهم فليعدّ على نفسه صفحاتِه.

كلّ الشبهات منهج التوثيق والتصحيح
وفي الباب

شبهاتٌ أخرى

  1. محمد بن شمس الدين يتهم الأمة بالضلال قرونًا طويلة، ويزعم أن كتب أهل السنة حُرقت وأن علماءها الحقيقيين انقرضوا بانقراض السلفمحمد بن شمس الدين
  2. دعوى أن ألف عالمٍ كفَّروا الأشاعرة، فيُكفَّر بها أعيانُهممحمد بن شمس الدين
  3. دعوى أن الدعوة السلفية هي التي أفرخت الحدادية، وأن محمد بن شمس الدين ثمرتُها الطبيعيةغلاة الأشاعرة