رسالة إلى الحدادية · 24 من 89

ميزانُ عمر: «وأنت تجد لها في الخير محمَلًا» - متى حرُم حملُ الكلمة على السوء

قال أميرُ المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا تظنَّنَّ بكلمةٍ خرجت من أخيك المسلم شرًّا، وأنت تجد لها في الخير محمَلًا.

البيانتأمّل موضع القيد في كلام عمر: «وأنت تجد لها في الخير محمَلًا». فليس النهيُ عن الحكم مطلقًا، وإنما مناطُه وجودُ الاحتمال؛ فمتى احتملت الكلمةُ وجهًا حسنًا حرُم حملُها على السوء، ولو كانت تحتمله.

وحرّر شيخ الإسلام ابن تيمية الميزان بلفظٍ لا يحتمل التأويل فقال: «وليس لأحدٍ أن يَحمِلَ كلامَ أحدٍ من الناس إلا على ما عُرف أنه أراده، لا على ما يحتمله ذلك اللفظ في كلام كلّ أحد». فالعبرةُ بما عُرف من مراد الرجل من مجموع كلامه، لا بما يحتمله اللفظُ مجرَّدًا عن صاحبه. وعامّةُ ما يُسقَطُ به الأئمةُ اليوم ألفاظٌ محتملة، انتُزعت من سياقها، وحُملت على غير ما عُرف من مذهب أصحابها.

وسمّى ابن القيم الداءَ باسمه فقال: «ما أكثر ما يَنقُلُ الناسُ المذاهبَ الباطلة عن العلماء بالأفهام القاصرة!». فالمذهب الباطل الذي يُنسب إلى الإمام ليس مذهبَه في الحقيقة، وإنما هو مذهبٌ ركّبه الناقلُ بفهمه القاصر ثم علّقه في عنق الإمام.

وقال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي: «ومن أعظم المحرَّمات وأشنع المفاسد إشاعةُ عثراتهم، والقدحُ فيهم وفي غلطاتهم. وأقبحُ من هذا وأقبح: إهدارُ محاسنهم عند وجود شيءٍ من ذلك. وربما يكون - وهو الواقع كثيرًا - أن الغلطات التي صدرت منهم لهم فيها تأويلٌ سائغ، ولهم اجتهادهم فيه: معذورون، والقادحُ فيهم غيرُ معذور».

فتأمّل هذه الجملة وحدها: «معذورون، والقادحُ فيهم غيرُ معذور». فالذي يَظُنُّ أنه ينتصر للسنة بتتبّع زلّاتهم، هو الواقعُ في الإثم دونهم؛ لأنّهم اجتهدوا فأخطؤوا، وهو تعمَّد القدحَ عن بصيرة.

وبهذا يفترق الفريقان كما قال السعدي: أهلُ العلم الناصحون قصدُهم «سترُ عورات المسلمين، وعدمُ إشاعة غلطاتهم، والحرصُ على تنبيههم، والذبُّ عن أعراض أهل العلم والدين»، وأهلُ البغي قصدُهم الإشاعةُ والإسقاط. ثم ختمها بسؤالٍ يُسكت كلَّ متعالم: «أيُّ عالمٍ لم يخطئ؟ وأيُّ حكيمٍ لم يعثر؟».

يا هذا إن لك عثراتٍ تحبّ أن يسترها الله، وكلماتٍ خرجت منك تحتمل الشرّ، لو أُخذت بالميزان الذي تزن به الأئمة لأهلكتك. فمن ستر مسلمًا ستره الله، ومن تتبّع عورةَ أخيه تتبّع الله عورته حتى يفضحه في جوف بيته.

فادفن عثرة أخيك كما تحبّ أن تُدفن عثرتُك، ولا تسأل ربَّك سترًا تمنعه أنت عن عباده؛ فإنك تُكال بالمكيال الذي تكيل به.