رسالة إلى الحدادية · 23 من 89

«وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْر»: النَّبِيُّ يُثْبِتُ لِلْمُخْطِئِ أَجْرًا وَأَنْتُمْ تُثْبِتُونَ لَهُ التَّبْدِيع

عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ».

البيانانْظُرْ إِلَى أَعْجَبِ مَا فِي هَذَا الْحَدِيث: أَنَّ الْمُخْطِئَ مَأْجُور. لَمْ يَقُلِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: فَلَا شَيْءَ عَلَيْه، وَلَمْ يَقُلْ: يُعْفَى عَنْه، وَلَمْ يَقُلْ: يُرْجَى لَه. بَلْ أَثْبَتَ لَهُ أَجْرًا مُقَرَّرًا عَلَى خَطَئِهِ، لِأَنَّهُ بَذَلَ وُسْعَهُ فِي طَلَبِ الْحَقّ. وَهَذَا بَابٌ لَوْ فَقِهَهُ الْغُلَاةُ لَسَكَنَتْ نُفُوسُهُمْ.

وَتَأَمَّلِ الشَّرْطَ الَّذِي عُلِّقَ عَلَيْهِ الْأَجْر: «فَاجْتَهَدَ». فَلَيْسَ الْأَجْرُ لِكُلِّ مُخْطِئٍ كَائِنًا مَنْ كَان، وَإِنَّمَا لِمَنْ كَانَ أَهْلًا لِلنَّظَرِ فَنَظَرَ وَبَذَل. فَأَمَّا مَنْ تَكَلَّمَ بِلَا آلَةٍ وَلَا نَظَر، فَلَيْسَ دَاخِلًا فِي الْحَدِيثِ أَصْلًا، لَا فِي الْأَجْرَيْنِ وَلَا فِي الْأَجْرِ الْوَاحِد.

وَلَاحِظْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَجْعَلِ الْخَطَأَ سَبَبًا لِإِسْقَاطِ الْحَاكِمِ عَنِ الْحُكْم. فَهُوَ حَاكِمٌ قَبْلَ الْخَطَأِ وَحَاكِمٌ بَعْدَه، وَإِنَّمَا نَقَصَ أَجْرُهُ وَلَمْ تَسْقُطْ مَنْزِلَتُه. فَمِنْ أَيْنَ جَاءَ هَؤُلَاءِ بِأَنَّ الزَّلَّةَ تُخْرِجُ مِنَ الْإِمَامَة؟ هَذَا حُكْمٌ زَادُوهُ عَلَى الشَّرْع.

وَاعْرِضْ هَذَا عَلَى مَا يَصْنَعُهُ الْقَوْم. إِمَامٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ أَفْنَى عُمُرَهُ فِي خِدْمَةِ السُّنَّةِ، وَحَفِظَ اللَّهُ بِهِ دِينَه، ثُمَّ أَخْطَأَ فِي مَسْأَلَة. فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُثْبِتُ لَهُ أَجْرًا، وَهُمْ يُثْبِتُونَ لَهُ التَّبْدِيعَ وَالْإِسْقَاطَ وَالتَّحْذِيرَ مِنْ كُتُبِه. فَأَيُّ الْحُكْمَيْنِ نَتَّبِع؟ حُكْمُ صَاحِبِ الشَّرْعِ أَمْ حُكْمُ صَاحِبِ الْقَنَاة؟

ثُمَّ اسْأَلْهُ سُؤَالًا لَا مَخْرَجَ مِنْه: هَذَا الْعَالِمُ الَّذِي أَسْقَطْتَهُ، أَكَانَ مُجْتَهِدًا طَالِبًا لِلْحَقِّ فَأَخْطَأ، أَمْ كَانَ مُعَانِدًا يَعْلَمُ الْحَقَّ فَرَدَّه؟ فَإِنْ قَال: لَا أَدْرِي، قِيل: فَقَدْ حَكَمْتَ بِغَيْرِ عِلْم، وَاللَّهُ يَنْهَاك: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾. وَإِنْ قَال: كَانَ طَالِبًا لِلْحَقّ، فَقَدْ شَهِدَ لَهُ بِالْأَجْرِ بِلِسَانِهِ وَهُوَ يَسْلُبُهُ الْإِمَامَةَ بِيَدِه!

وَإِنْ رَاغَ فَقَال: الْحَدِيثُ فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ لَا فِي الْعَقَائِدِ، فَقُلْ لَه: أَيْنَ الْقَيْدُ فِي الْحَدِيث؟ هَاتِ لَفْظًا وَاحِدًا يَخُصُّهُ بِالْفِقْه. ثُمَّ انْظُرْ: الْحَاكِمُ يَحْكُمُ فِي الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ وَالْفُرُوجِ، وَهِيَ أَعْظَمُ مَا يُتْلَف، فَجَعَلَ لَهُ الْأَجْرَ مَعَ الْخَطَأ. أَفَيَكُونُ الْخَطَأُ فِي الدَّمِ مَغْفُورًا مَأْجُورًا، وَالْخَطَأُ فِي تَأْوِيلِ صِفَةٍ مُخْرِجًا مِنَ الْمِلَّة؟ هَذَا مِيزَانٌ لَا يَسْتَقِيم.

مِنْ أَيْنَ جَاءَتْ هَذِهِ الْقَسْوَة؟ جَاءَتْ مِنْ أَنَّ الرَّجُلَ لَمْ يَذُقْ تَعَبَ الطَّلَبِ، فَلَا يَعْرِفُ قَدْرَ مَنْ تَعِب. وَمَنْ جَلَسَ بَيْنَ يَدَيِ الْعُلَمَاءِ وَعَرَفَ كَمْ يُنْفِقُ الْعَالِمُ مِنْ عُمُرِهِ فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ، هَابَ أَنْ يَهْدِمَ عُمُرًا بِكَلِمَة. فَأَمَّا مَنْ أَخَذَ عِلْمَهُ مِنْ شَاشَةٍ، فَالْهَدْمُ عِنْدَهُ سَهْل، لِأَنَّهُ لَمْ يَبْنِ شَيْئًا قَطُّ لِيَعْرِفَ مَا الْبِنَاء.

يَا مَنْ تَتَبَّعَ زَلَّاتِ الْعُلَمَاءِ، تَأَمَّلْ فِي هَذِهِ الْقِسْمَةِ الْعَادِلَة: أَجْرٌ لِلْمُخْطِئِ، وَأَجْرَانِ لِلْمُصِيب. فَأَيْنَ مَوْضِعُكَ أَنْتَ مِنْهَا؟ إِنَّ الَّذِي يَبْحَثُ عَنِ السَّقَطَاتِ لِيَهْدِمَ بِهَا لَا يَدْخُلُ فِي هَذَا وَلَا فِي ذَاك؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْتَهِدْ لِيُصِيبَ فَيُؤْجَرَ أَجْرَيْنِ، وَلَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَيُؤْجَرَ أَجْرًا. وَإِنَّمَا جَلَسَ عَلَى الطَّرِيقِ يَعُدُّ عَثَرَاتِ السَّائِرِين.

ثُمَّ تَصَوَّرِ الْمَوْقِف. عَالِمٌ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُ أُجُورًا عَلَى أَخْطَاءٍ اجْتَهَدَ فِيهَا، وَأَنْتَ تَأْتِي تَحْمِلُ أَوْزَارًا فِي عِرْضِه. هُوَ مَأْجُورٌ عَلَى مَا أَنْكَرْتَهُ عَلَيْهِ، وَأَنْتَ مَأْخُوذٌ بِمَا أَنْكَرْت! فَأَيُّ صَفْقَةٍ أَخْسَرُ مِنْ هَذِه؟

وَبَابُ التَّوْبَةِ مَفْتُوح. فَاجْعَلْ حَظَّكَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنْ تَجْتَهِدَ لِتُصِيبَ، لَا أَنْ تُفَتِّشَ لِتُسْقِط. وَرُدَّ الْخَطَأَ بِعِلْمٍ وَأَدَبٍ، وَأَبْقِ لِصَاحِبِهِ فَضْلَهُ وَأَجْرَه.

نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنَا مِنَ الْمُصِيبِينَ فَنُؤْجَرَ أَجْرَيْنِ، وَأَنْ يَجْعَلَ خَطَأَنَا خَطَأَ الْمُجْتَهِدِ الطَّالِبِ لِلْحَقِّ فَنُؤْجَرَ أَجْرًا، وَلَا يَجْعَلَنَا مِمَّنْ حُرِمَ الْأَجْرَيْنِ جَمِيعًا.