رسالة إلى الحدادية · 22 من 89

مَنْ خَذَلَ مُسْلِمًا يُنْتَهَكُ عِرْضُهُ خَذَلَهُ اللَّه: فَكَيْفَ بِمَنْ يَتَوَلَّى انْتِهَاكَ أَعْرَاضِ الْعُلَمَاء؟

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: مَا مِنِ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِمًا فِي مَوْطِنٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ إِلَّا خَذَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَه، وَمَا مِنْ أَحَدٍ يَنْصُرُ مُسْلِمًا فِي مَوْطِنٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ إِلَّا نَصَرَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَه.

البيانتَأَمَّلُوا هَذَا الْمِيزَانَ النَّبَوِيَّ الدَّقِيق، الَّذِي يَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهِ وَعِيدًا مُرْعِبًا وَوَعْدًا عَظِيمًا، وَمَدَارُهُمَا عَلَى شَيْءٍ وَاحِد: الْعِرْضُ وَالْحُرْمَة!

فَمَنْ سَكَتَ عَنْ نُصْرَةِ مُسْلِمٍ يُنْتَقَصُ عِرْضُهُ وَيُمَزَّق.. خَذَلَهُ اللَّهُ أَحْوَجَ مَا يَكُونُ لِلنُّصْرَة. وَمَنِ انْتَفَضَ غَيْرَةً وَذَبَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيه.. تَكَفَّلَ جَبَّارُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بِنُصْرَتِه. ثُمَّ تَأَمَّلُوا: هَذَا الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ فِيمَنْ يَخْذُلُ «امْرَءًا مُسْلِمًا» عَادِيًّا مِنْ آحَادِ النَّاس! فَإِذَا كَانَ الْوَعِيدُ عَلَى مُجَرَّدِ "الْخِذْلَانِ وَالسُّكُوتِ" بِهَذِهِ الشِّدَّة، فَمَا هُوَ حَالُ هَذَا الْغَالِي الَّذِي يَتَوَلَّى بِنَفْسِهِ حِمْلَ الِانْتِقَاصِ وَالِانْتِهَاك؟! وَمَا هُوَ مَصِيرُهُ إِذَا كَانَ مَنْ يَنْتَهِكُ عِرْضَهُ وَيُمَزِّقُ لَحْمَهُ إِمَامًا مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ الْأُمَّةَ قُرُونًا مُتَطَاوِلَة؟!

وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الْبَلِيغ، جَوَابٌ قَاطِعٌ لِمَنْ يَقُولُ لَنَا مُسْتَنْكِرًا: "لِمَاذَا تَنْشَغِلُونَ بِالدِّفَاعِ عَنْ أَمْوَاتٍ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا؟" وَالْجَوَاب: لِأَنَّ نُصْرَةَ الْمُسْلِمِ فِي عِرْضِهِ وَالذَّبَّ عَنْ حِمَاه، لَيْسَ نَافِلَةً أَوْ تَطَوُّعًا نَتَبَرَّعُ بِهِ مَتَى شِئْنَا؛ بَلْ هُوَ بَابٌ عَظِيمٌ مِنْ أَبْوَابِ الشَّرِيعَة، مَنْ تَرَكَهُ عُوقِبَ بِالْخِذْلَانِ الْإِلَهِيّ، وَمَنْ دَخَلَهُ نَالَ النَّصْرَ الرَّبَّانِيّ. وَاعْلَمُوا أَنَّ السُّكُوتَ فِي مَجَالِسِ هَتْكِ الْأَعْرَاضِ لَيْسَ "حِيَادًا" كَمَا يَظُنُّ الْبَعْض! بَلْ جَعَلَ الْحَدِيثُ السَّاكِتَ "خَاذِلًا"، وَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْخِذْلَان. فَمَنْ عَجَزَ عَنْ كَلِمَةِ الْحَقّ، فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يُمْسِكَ لِسَانَه، وَلَا يُشَارِكَهُمْ إِثْمَ الْمَجَالِس.

ثُمَّ انْظُرُوا إِلَى عَجَبِ الْعُجَابِ فِي هَؤُلَاءِ الْقَوْم، وَكَيْفَ يَفْضَحُهُمُ اللَّهُ بِمَوَازِينِهِمُ الْمُخْتَلَّة! يُشَنِّعُونَ عَلَيْنَا دَائِمًا وَيَقُولُون: "أَنْتُمْ تُدَافِعُونَ عَنْ عُلَمَاءَ أَشَاعِرَةٍ أَخْطَأُوا!".. فَيَا سُبْحَانَ اللَّه! نَحْنُ إِنْ دَافَعْنَا، فَإِنَّمَا نَذُبُّ عَنْ أَعْرَاضِ "مُسْلِمِين"؛ أَئِمَّةٍ وَعُلَمَاءَ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَة، أَخْطَأُوا وَتَأَوَّلُوا، لَكِنَّهُمْ خَدَمُوا دِينَ مُحَمَّدٍ ﷺ وَرَفَعُوا رَايَتَه، وَالْحَدِيثُ يَأْمُرُنَا بِنُصْرَةِ "الْمَرْءِ الْمُسْلِم". لَكِنِ انْظُرُوا إِلَى بِضَاعَتِهِمْ هُمْ، وَإِلَى رَأْسٍ مِنْ رُؤُوسِهِمْ كَمُحَمَّدٍ شَمْسِ الدِّين.. لَقَدْ تَرَكَ نُصْرَةَ إِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِين، وَنَصَّبَ نَفْسَهُ مُحَامِيًا وَمُنَافِحًا عَنِ النَّصَارَى وَالْمَلَاحِدَة! يَقِفُ فِي خَنْدَقِهِمْ، وَيَرُدُّ الْحُجَجَ الْقَوِيَّةَ الَّتِي يُوَجِّهُهَا إِخْوَانُهُ الْمُسْلِمُونَ لِلنَّصَارَى، وَهُوَ فِي رَدِّهِ مُخْطِئٌ مَهْزُومٌ وَحَقُّ الْمُسْلِمِينَ أَبْلَج! حَتَّى انْقَلَبَتِ الْآيَةُ وَالْمَوَازِين؛ فَصَارَ يُزَكِّي الْمَلَاحِدَةَ وَيُدَافِعُ عَنِ النَّصَارَى، وَصَارَ النَّصَارَى وَالْمَلَاحِدَةُ يَمْدَحُونَهُ وَيُثْنُونَ عَلَيْه، بَيْنَمَا يُعَادِي هُوَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَيَمْقُتُهُ الْمُسْلِمُون!

أَفَتَعِيبُونَ عَلَيْنَا دِفَاعَنَا عَنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ عَمَلًا بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّه، ثُمَّ تَسْكُتُونَ عَمَّنْ جَعَلَ نَفْسَهُ مُحَامِيًا وَدِرْعًا لِلنَّصَارَى وَالْمَلَاحِدَةِ ضِدَّ إِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِين؟! فَبِئْسَتِ الْقِسْمَةُ قِسْمَتُكُمْ، وَبِئْسَ الْمِيزَانُ مِيزَانُكُم! وَالْجَزَاءُ دَائِمًا مِنْ جِنْسِ الْعَمَل، فَمَنْ خَذَلَ أَوْلِيَاءَ اللَّه.. سَلَّطَهُ اللَّهُ لِيُنَافِحَ عَنْ أَعْدَاءِ اللَّه.

نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْخِذْلَانِ وَمَوْتِ الْقُلُوب.