رسالة إلى الحدادية · 21 من 89

«من اتَّبع عوراتِ المسلمين يتَّبعِ اللهُ عورتَه»: عاقبةُ صنعة التتبُّع والتصيُّد

قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: يا معشرَ من آمن بلسانه ولم يدخلِ الإيمانُ قلبَه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتَّبعوا عوراتِهم؛ فإنه من اتَّبع عوراتِهم يتَّبعِ اللهُ عورتَه، ومن يتَّبعِ اللهُ عورتَه يفضحْه في بيته.

البياناسمعوا النداء قبل أن تسمعوا النهي؛ فالنداء وحده موعظةٌ كاملة تهز أركان القلوب: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه»! لقد جعل الصادق المصدوق الغيبة وتتبع العورات علامةً قاطعة على إيمانٍ باردٍ وقف عند أطراف اللسان، ولم يبلغ شغاف القلب. فيا من جعل تتبع عثرات العلماء وزلاتهم صنعته: لا تسأل أحداً عن حال قلبك القاسي؛ فقد كشف لك النداء النبوي حقيقة مرضك منذ أربعة عشر قرناً!

وتأملوا بدقة قوله ﷺ: «ولا تتبعوا عوراتهم». التتبع -يا عباد الله- هو البحث والتفتيش المقصود؛ ليس أن تقع عينك على الزلة صدفة، بل أن تخرج متعمداً للتنقيب عنها احتقاراً لصاحبها، كما بيّنا من قبل أن الاحتقار هو جسر الاستحلال. وهذه هي حرفة هؤلاء الغلاة اليوم بالضبط! ينقّب أحدهم في شريطٍ سُجل منذ أربعين سنة، أو كتابٍ طُبع منذ قرون، لا يطلب علماً، ولا يبحث عن هدى.. إنما يلهث خلف عثرةٍ يفتتح بها سوق تبديعه، ويعقد بها مجلس طعنه! فسمِّ هذه الصنعة الدنيئة باسمها النبوي الصريح: "تتبُّع العورات"، وانظر في أي خندقٍ وضع النبي ﷺ أصحابها.

واسمعوا الجزاء كيف جاء من جنس العمل تماماً: «من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته». عورةٌ بعورة.. وتتبعٌ بتتبع! لكن قفوا هنا وتأملوا الفارق المرعب: أنت تتبع العورة بعجزك وضعفك البشري، والله المنتقم يتبع عورتك بقدرته وإحاطته التي لا يفلت منها مستتر! وتأملوا قوله: «في بيته»؛ أي في مأمنه ومخبأه حيث أغلق أبوابه ولا يتوقع الفضيحة أبداً! فمن أخرج زلات عباد الله من سترها ليذيعها، أخرج الله عورته من قعر بيته وفضحه على رؤوس الأشهاد.

والواقع المعاصر أصدق شاهدٍ على هذا الوعيد الإلهي. فوالله ما نصب أحدٌ نفسه لهتك أعراض العلماء إلا هتكه الله وقصمه. وقلَّ أن تروا من رؤوس هذا المنهج الإقصائي أحداً إلا وقد فُضح في خاصة أمره! وهذا ما وقع بالضبط عياناً بياناً؛ حيث خرجت فضائح رؤوس الحدادية، أمثال محمد شمس الدين، والخليفي، ودمشقية. فلما حلت بهم الفضيحة الموعودة، ما كان منهم ومن أتباعهم إلا الصياح والتشغيب وطلب الستر! يطلبون لأنفسهم ستراً مزقوه لغيرهم! ومع ذلك، ركبتهم العزة بالإثم، فلم يعتبروا بما وقع لهم، بل استمروا في إجرامهم ونهشهم لأعراض الأولياء.

وبعض هذه الفضائح والتسريبات كانت من داخلهم، فتأملوا كيف أن خصوماتهم بينهم تشهد بذلك أيضاً؛ فإذا اختلفوا وتنازعوا، نشر بعضهم أسرار بعض، وفضح بعضهم بعضاً، فنفّذوا هم بأنفسهم الوعيد النبوي بعضهم في بعض! فسبحان من جعل سياط عدله في أيدي الظالمين يقتص بها بعضهم من بعض!

يا هذا.. إن لك عوراتٍ وخبايا، لو تتبعها الله لكشفها وما قامت لك بعدها قائمة، وإنما تعيش وتتنفس في ستره الجميل! أفتأكل من مائدة الستر، ثم تمضي لتمزق ستور عباد الله وأوليائه؟

استر تُستر، وأقلل من تتبع عثرات الناس يُقلل الله من تتبع عثراتك؛ فالجزاء دائماً من جنس العمل، وأنت الذي تختار بأي الميزانين تُجازى.