عِرْضُ الْمُسْلِمِ حَرَامٌ بِنَصِّ النُّبُوَّةِ، فَكَيْفَ بِأَعْرَاضِ أَئِمَّةِ الدِّين؟
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَام: دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُه. بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِم.
البيانتَأَمَّلُوا كَيْفَ جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ ثَلَاثَ حُرُمَاتٍ عَظِيمَةٍ فِي سِلْكٍ وَاحِد: الدَّمَ، وَالْمَالَ، وَالْعِرْض. فَجَعَلَ الْعِرْضَ قَرِينًا لِلدَّمِ فِي الْقَدَاسَةِ وَالْحُرْمَة. وَهَؤُلَاءِ الْقَوْمُ يَجْلِسُونَ فَيَنْثُرُونَ أَعْرَاضَ الْعُلَمَاءِ فِي مَجَالِسِهِمْ كَمَا يُنْثَرُ الْحَصَى! يُمَزِّقُونَهَا بِالتَّكْفِيرِ وَالتَّبْدِيعِ وَالتَّجْرِيحِ وَلَا يَطْرِفُ لَهُمْ جَفْن، وَلَا يَشْعُرُونَ لِلَحْظَةٍ أَنَّهُمُ انْتَهَكُوا حُرْمَةً غَلِيظَة!
ثُمَّ نَقِفُ عِنْدَ تِلْكَ الْكَلِمَةِ الْجَامِعَة: «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِم».. أَيْ: يَكْفِيهِ هَذَا الذَّنْبُ وَحْدَهُ مِنَ الشَّرِّ لِيُرْدِيَهُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي صَحِيفَتِهِ غَيْرُه! فَيَا عَجَبًا! إِذَا كَانَ احْتِقَارُ مُسْلِمٍ وَاحِدٍ مِنْ عَامَّةِ النَّاسِ يَبْلُغُ بِصَاحِبِهِ هَذَا الْمَبْلَغَ الْمُهْلِكَ مِنَ الشَّرّ.. فَمَا ظَنُّكُمْ بِاحْتِقَارِ عَالِمٍ نَفَعَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ الْأُمَّةَ قُرُونًا طَوِيلَةً، وَزَكَّاهُ ثِقَاتُ عُلَمَائِهَا وَتَلَقَّوْهُ بِالْقَبُول؟ مَنْ كَانَ وَزْنُهُ فِي خِدْمَةِ الْإِسْلَامِ بِالْقَنَاطِيرِ، هَلْ يَحْقِرُهُ نَكِرَةٌ لَا يَبْلُغُ وَزْنُهُ فِي الْعِلْمِ قِيرَاطًا؟!
وَلَاحِظُوا بِدِقَّةِ بَصِيرَتِكُمْ: لِمَاذَا خَتَمَ النَّبِيُّ ﷺ حَدِيثَ الْحُرُمَاتِ الثَّلَاثِ بِذِكْرِ "التَّحْقِير"؟ لِأَنَّ التَّحْقِيرَ هُوَ الْجِسْرُ الْأَسْوَدُ الَّذِي يُعْبَرُ مِنْهُ إِلَى الِاسْتِحْلَالِ كُلِّه! فَمَا اسْتُحِلَّ دَمٌ، وَلَا نُهِبَ مَالٌ، وَلَا مُزِّقَ عِرْضٌ، إِلَّا بَعْدَ أَنْ هَانَ صَاحِبُهُ فِي عَيْنِ مَنِ اسْتَحَلَّه. وَالْغُلُوُّ كُلُّهُ يَمْشِي عَلَى هَذَا الْجِسْرِ الْخَبِيث: يَبْدَأُ بِاحْتِقَارٍ لِلْعَالِمِ يَمُرُّ كَخَاطِرٍ فِي الْقَلْب، ثُمَّ يَنْفُثُهُ كَلَامًا وَتَطَاوُلًا فِي الْمَجْلِس، ثُمَّ يَتَدَرَّجُ إِلَى مُحَاوَلَةِ إِسْقَاطِهِ أَمَامَ النَّاس.. ثُمَّ لَا يَقِفُ هَذَا السَّيْلُ الْجَارِفُ حَتَّى يَبْلُغَ التَّبْدِيعَ وَالتَّفْسِيق، الَّذِي بَيَّنَّا سَابِقًا كَيْفَ يَرْتَدُّ كَالسَّهْمِ الْمُهْلِكِ فِي صَدْرِ صَاحِبِه! فَمَنْ حَرَسَ قَلْبَهُ فِي أَوَّلِ الطَّرِيق، أَمِنَ مِنَ الْهَلَكَةِ فِي آخِرِه.
وَاعْلَمُوا أَنَّ أَوَّلَ مَنْ أَسَّسَ مَذْهَبَ الِاحْتِقَارِ هُوَ إِبْلِيس! نَظَرَ إِلَى نَفْسِهِ الْمُظْلِمَةِ بِعَيْنِ التَّعْظِيمِ، وَنَظَرَ إِلَى آدَمَ بِعَيْنِ الِاحْتِقَارِ فَقَال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾. فَأَوْرَثَهُ الِاحْتِقَارُ الِاعْتِرَاضَ عَلَى رَبِّهِ، وَأَوْرَثَهُ الِاعْتِرَاضُ الطَّرْدَ وَاللَّعْنَة. فَكُلُّ مَنِ احْتَقَرَ عَبْدًا صَالِحًا وَعَالِمًا رَبَّانِيًّا فَهُوَ يَمْشِي عَلَى خُطَى إِبْلِيسَ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّة. وَلَنْ تَجِدَ مُحْتَقِرًا لِعُلَمَاءِ الْأُمَّةِ إِلَّا وَتَحْتَ احْتِقَارِهِ كِبْرٌ خَفِيٌّ، وَإِعْجَابٌ مَرِيضٌ بِنَفْسِه! فَالْكِبْرُ هُوَ الدَّاءُ الْعُضَالُ، وَالِاحْتِقَارُ لَيْسَ إِلَّا عَرَضًا مِنْ أَعْرَاضِه.
فَإِذَا كَانَ يَكْفِيكَ مِنَ الشَّرِّ أَنْ تَحْقِرَ مُسْلِمًا وَاحِدًا يَمْشِي فِي الْأَسْوَاق.. فَمَا هُوَ جَزَاءُ مَنْ جَعَلَ تَحْقِيرَ وَرَثَةِ الْأَنْبِيَاءِ دَأْبَهُ وَعَادَتَهُ، وَمَادَّةَ مَقَاطِعِهِ، وَفَاكِهَةَ مَجَالِسِه؟!
أَمْسِكُوا مِيزَانَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ، فَوَاللَّهِ مَا اسْتَخَفَّ أَحَدٌ بِعَالِمٍ رَبَّانِيٍّ إِلَّا خَفَّ وَزْنُهُ هُوَ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ خَلْقِهِ، وَالْجَزَاءُ دَائِمًا مِنْ جِنْسِ الْعَمَل.
