رسالة إلى الحدادية · 25 من 89

عليُّ بن أبي طالب يأبى تكفيرَ الخوارج وهم يقاتلونه: «إخوانُنا بغَوا علينا»

عن طارق بن شهاب قال: كنتُ عند عليٍّ حين فرغ من قتال أهل النهروان، فقيل له: أمُشركون هم؟ قال: «من الشِّرك فرُّوا». فقيل: أمنافقون؟ قال: «إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلًا». قيل: فما هم؟ قال: «قومٌ بغَوا علينا فقاتلناهم».

البياناستحضروا أولاً السجل الأسود للقوم الذين سُئل عنهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه. هؤلاء الخوارج كفّروا عثمان، وكفّروا علياً، وكفّروا جمهور الصحابة! ومزقوا الأمة باسم الدين، واستحلوا الدماء المعصومة، حتى قتلوا عبد الله بن خباب بن الأرت وهو أعزل، وبقروا بطن جاريته الحامل!

فالقضية هنا ليست زلةً في حاشية كتاب لإمام خدم كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا خطأً في تأويل صفةٍ في شرح حديث! القضية هنا دماءٌ، واستحلالٌ، وتكفيرٌ لأكابر الصحابة!

ثم اسمعوا الجواب العجيب من أعرف الناس بحالهم؛ حين سُئل: أمشركون هم؟ قال: «من الشرك فروا». فقيل: أمنافقون؟ قال: «إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً». قيل: فما هم؟ قال: «قومٌ بغوا علينا فقاتلناهم».

ثلاث كلماتٍ من أمير المؤمنين تُسقِطُ دعوى الشرك عنهم، وتنفي عنهم النفاق، ثم تنزلهم منزلتهم الشرعية بدقة: فلا شرك ولا نفاق، بل بغيٌ وعدوان يُقاتَل عليه.

وقوة الحجة هنا، أن القائل هو الإمام الذي سلّ سيفه وقاتلهم بنفسه، وسُئل وقد فرغ لتوّه من قتالهم! فلو كان في تكفيرهم وجهٌ مقبول، لكان أولى الناس به من رفع عليهم السيف وتأذى بضلالهم وسفكهم للدماء. ولكنه قاتلهم ولم يكفّرهم؛ فجمع رضي الله عنه بين الحزم في نصرة الحق، والعدل في الحكم على المخالف.. وهما خصلتان يَظُنُّ الغالي الحدادي أنهما لا يجتمعان أبداً!

وهنا يبرز تشابهٌ عجيب تقشعر منه الأبدان بين الخوارج والحدادية! فالخوارج الأوائل رفعوا شعار "إنِ الحكم إلا لله"، وهي كلمة حقٍ أرادوا بها باطلاً؛ فكفّروا بها خيار الأمة واستباحوا دماءهم. والحدادية اليوم يرفعون شعار "صيانة العقيدة والتوحيد"، وهي كلمة حقٍ جعلوها مقصلةً لتمزيق أعراض أئمة الدين، وإسقاط علمائه، وتضليل من حفظ الله بهم السنة! فالأولون استباحوا الدماء باسم الدين، والآخرون استباحوا الأعراض باسم العقيدة.

بل والله إن الخوارج -على عظيم ضلالهم وفساد مذهبهم- كانوا أحسن حالاً من هؤلاء! فقد شهد لهم النبي ﷺ بكثرة الصلاة والصيام وتلاوة القرآن، فكانوا أصحاب عبادةٍ وصدقٍ في تمسكهم بظواهر النصوص وإن ضلوا في فهمها. أما حدادية اليوم المفتونون؛ فلا أخلاق الإسلام أبقوا، ولا عبادة الخوارج حصّلوا، ولا علم السلف أو الخلف أدركوا! بل إنهم لا يحسنون قراءة القرآن وتلاوته فضلاً عن تفسيره، ولا يقيمون ألسنتهم بقراءة الأحاديث النبوية بشكل صحيح -والمقاطع المبثوثة توثق فضائحهم وعجمتهم في ذلك-؛ لجهلهم المدقع بلغة العرب التي هي مفتاح الفهم. ناهيك عن تعطيلهم لآلة الفهم الكبرى وهي "العقول"، فعقولهم معطلةٌ عن القياس والتدبر والاعتبار! فلم يجمعوا إلا قسوة القلب، وسوء الخلق، وبذاءة اللسان، والجهل المركب!

فالمنبع للفرقتين واحد: غلوٌ أعمى، وجهلٌ مركب، وقسوةٌ طاغية لا تَعرِفُ فقهَ الرحمة ولا ميزان العدل.

ثم طبقوا هذا القياس القاهر على من شئتم: إذا كان الخارجي مستحل الدماء ومكفِّر الصحابة لم يخرج من الإسلام عند علي رضي الله عنه.. فبأي ميزانٍ شيطاني يخرج من الملة أو يُسقَطُ من السنة إمامٌ من أئمة الدين، تأول صفةً وهو يَظُنُّ -خطأً- أنه ينزه الله بها؟!

وهذا قياسٌ لا مهرب للحدادية منه؛ إذ لا يستطيع أجرأهم أن يقول: الخوارج أهون حالاً وأقرب للسنة من النووي وابن حجر!

وقد شرح شيخ الإسلام ابن تيمية هذه الواقعة شرحاً يحسم النزاع، فقال مبيّناً الدليل العملي القاطع على عدم كفرهم: «ولهذا لم يَسْبِ حريمهم ولم يغنم أموالهم».

فلو كانوا كفاراً مرتدين لجرت عليهم أحكام الردة في المال والذرية، ولكن السيف الذي رُفع عليهم كان سيف "دفع البغي والعدوان" لا سيف "تكفير وردة".. وهو فرقٌ دقيق يعرفه الفقهاء الراسخون، ويجهله الغلاة المتعالمون، فيظنون أن كل من ضلَّ وقوتل فقد كُفِّر!

ولاحظوا أنه لم يقاتلهم على مجرد مقالتهم البدعية، وإنما قاتلهم لما تجاوزوا إلى سفك الدم الحرام؛ فالمقالة تُرَدُّ بالحجة والبرهان، والاعتداء يُدفع بالسيف والسنان.

ثم ختم شيخ الإسلام كلامه بقاصمة الظهر التي لا جواب عنها، فقال: «وإذا كان هؤلاء الذين ثبت ضلالُهم بالنصّ والإجماع لم يُكفَّروا.. فكيف بالطوائف المختلفين الذين اشتبه عليهم الحقُّ في مسائلَ غلِط فيها من هو أعلمُ منهم؟».

وأدق ما في هذه العبارة الجليلة قوله: «غلِط فيها من هو أعلم منهم»؛ فالمسائل التي يُسقِطُ بها الغلاةُ أئمة الأمة اليوم، قد زل فيها وأخطأ من هو أعلم وأجلّ من المبدِّع والمبدَّع جميعاً!

فإن أراد الحدادي المراوغة والهرب من هذا الإلزام الخانق، فقال: "حسناً! إذا كان الخوارج معذورين ولم يكفرهم الصحابة.. فاعتبرونا نحن أيضاً متأولين مجتهدين، واعذرونا كما عُذر الخوارج ولا تشنعوا علينا!"

فيقال له: يا سبحان الله! ما أوقح هذا الهرب وما أشد فضيحته!

أولاً: أتعلم ما معنى أن نعتبركم كالخوارج؟! إن عليّاً رضي الله عنه لم يكفرهم، نعم، ولكنه لم يتركهم يفسدون في الأرض! بل جند الجنود، وسل السيف، وقاتلهم، واستأصل شأفتهم، وحذر الأمة من ضلالهم، وسماهم النبي ﷺ "كلاب أهل النار"! فهل تريدون منا أن نعذركم هذا العذر ونسكت عنكم وأنتم كلاب أهل النار؟! فعدم التكفير شيء، وإقرار الباطل والسكوت عنه شيء آخر تماماً!

ثانياً -وهو المقتل الذي ينسفكم-: إنكم بمراوغتكم هذه تطالبوننا بأن نعاملكم بميزان "أهل السنة" (الذي يَعذُرُ المتأول والمخطئ لحسن قصده)، بينما تعاملون أنتم أئمة الإسلام بميزان "الخوارج" (الذي لا يَعذُرُ أحداً، ويستبيح الأعراض بالظنون)!

تطلبون الرحمة والاعتذار لأنفسكم في بغيكم وطعنكم للأئمة، وتمنعون الرحمة عن الأئمة في زلة تأويل! فأنتم تناقضون أنفسكم من حيث لا تشعرون.

فإن كان ميزانكم (الذي لا يَعذُرُ المخطئ) حقاً.. فأنتم أولى بالتكفير والتبديع والهلاك لسوء صنيعكم وتطاولكم على العلماء!

وإن كان ميزاننا (الذي يَعذُرُ المجتهد المخطئ) حقاً.. فقد بطل مذهبكم من أساسه، وحرم عليكم إسقاط العلماء بالأخطاء والزلات!

فأنتم بين خيارين لا ثالث لهما: إما أن تحكموا على أنفسكم بالضلال والكفر بميزانكم، أو تُقروا ببطلان مذهبكم بميزاننا!

فاعتبروا يا أولي الأبصار: أيفعل الحدادية بأئمة السنة وعلمائها، ما لم يفعله علي بن أبي طالب بمن كفروه وقتلوا أصحابه؟!

فلينظر هذا الغالي المفتون: أهو أشد غيرةً على دين الله من علي بن أبي طالب؟ أم أن ميزان العدل قد تحطم في قلبه؟!