رسالة إلى الحدادية · 26 من 89

سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّب: لَيْسَ عَالِمٌ إِلَّا وَفِيهِ عَيْبٌ، وَمَنْ غَلَبَ فَضْلُهُ ذَهَبَ نَقْصُه

قَالَ الْإِمَامُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّب: لَيْسَ مِنْ عَالِمٍ وَلَا شَرِيفٍ وَلَا ذِي فَضْلٍ إِلَّا وَفِيهِ عَيْبٌ، وَلَكِنْ مَنْ كَانَ فَضْلُهُ أَكْثَرَ مِنْ نَقْصِهِ ذَهَبَ نَقْصُهُ لِفَضْلِهِ، كَمَا أَنَّ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ نُقْصَانُهُ ذَهَبَ فَضْلُه.

البيانقِفُوا وَتَأَمَّلُوا هَذَا الْمِيزَانَ النَّبَوِيَّ الدَّقِيقَ، الَّذِي وَرِثَهُ سَيِّدُ التَّابِعِينَ عَنْ جِيلِ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِم. إِنَّهُ الْمِيزَانُ الَّذِي تُحْفَظُ بِهِ مَقَامَاتُ الرِّجَالِ، وَيُعْصَمُ بِهِ الدِّينُ مِنَ الْهَوَى، وَتُرَدُّ بِهِ سِهَامُ الْغُلَاةِ فِي نُحُورِهِم.

خُذُوا أَوَّلًا هَذِهِ الْمُقَدِّمَةَ الْقَاطِعَةَ الَّتِي يَفِرُّ مِنْهَا الْغَالِي كَفِرَارِهِ مِنَ الْأَسَد: «لَيْسَ مِنْ عَالِمٍ وَلَا شَرِيفٍ وَلَا ذِي فَضْلٍ إِلَّا وَفِيهِ عَيْبٌ».

فَالْعَيْبُ وَالزَّلَّةُ وَالْخَطَأُ أَمْرٌ حَتْمِيٌّ فِي كُلِّ بَشَرٍ سِوَى الْمَعْصُومِ ﷺ. فَلَيْسَتِ الْمَسْأَلَةُ إِذَنْ -كَمَا يُوهِمُ الْحَدَّادِيَّةُ أَتْبَاعَهُم-: "هَلْ أَخْطَأَ الْإِمَامُ أَمْ لَمْ يُخْطِئْ؟"، فَهَذَا سُؤَالٌ سَاذِجٌ يَطْلُبُ عِصْمَةً لَمْ تُعْطَ لِبَشَرٍ قَطُّ! بَلِ الْمَسْأَلَةُ الْحَقِيقِيَّةُ الَّتِي يَدُورُ عَلَيْهَا مِيزَانُ أَهْلِ السُّنَّةِ هِيَ: "أَيْنَ يَقَعُ هَذَا الْخَطَأُ مِنْ بَحْرِ حَسَنَاتِ الرَّجُلِ وَفَضْلِه؟".

ثُمَّ انْظُرُوا إِلَى عَدْلِ السَّلَفِ فِي وَزْنِ هَذِهِ الزَّلَّة: «مَنْ كَانَ فَضْلُهُ أَكْثَرَ مِنْ نَقْصِهِ ذَهَبَ نَقْصُهُ لِفَضْلِهِ».

وَلَيْسَ مَعْنَى "ذَهَبَ نَقْصُهُ" أَنْ نَقْلِبَ بَاطِلَهُ حَقًّا، أَوْ أَنْ نَتَعَامَى عَنْ خَطَئِهِ فَلَا نَرُدَّهُ، حَاشَا وَكَلَّا! بَلِ الْمَعْنَى أَنَّ الْحُكْمَ الْكُلِّيَّ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ يَكُونُ بِالْغَالِبِ مِنْ حَالِهِ وَعَطَائِهِ. فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ إِمَامًا أَفْنَى عُمْرَهُ فِي نُصْرَةِ السُّنَّةِ وَشَرْحِ الْحَدِيثِ وَالذَّبِّ عَنِ الشَّرِيعَةِ، ثُمَّ وَقَعَتْ مِنْهُ زَلَّةٌ أَوْ خَطَأٌ؛ ذَابَتْ قَطْرَةُ خَطَئِهِ فِي بَحْرِ فَضْلِهِ وَحَسَنَاتِهِ، كَمَا تَذُوبُ الْقَطْرَةُ فِي الْبَحْرِ الْخِضَمِّ فَلَا تُنَجِّسُه!

وَأَعْدَلُ مَا فِي مِيزَانِ سَيِّدِ التَّابِعِينَ أَنَّهُ يَعْمَلُ فِي الِاتِّجَاهَيْنِ بِصَرَامَة: «كَمَا أَنَّ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ نُقْصَانُهُ ذَهَبَ فَضْلُهُ».

فَهَذَا الْمِيزَانُ لَيْسَ بَابًا مَفْتُوحًا لِلْفَوْضَى وَالتَّمْيِيعِ كَمَا يُشَنِّعُ الْغُلَاةُ، وَلَا شَفَاعَةً لِكُلِّ زِنْدِيقٍ أَوْ مُبْتَدِعٍ غَلَبَ فَسَادُهُ عَلَى صَلَاحِهِ. بَلْ هُوَ التَّفْرِيقُ الْعَادِلُ بَيْنَ: (إِمَامِ سُنَّةٍ زَلَّ فَأَخْطَأَ) وَ(صَاحِبِ ضَلَالَةٍ غَلَبَ ضَرَرُهُ عَلَى الْإِسْلَام). وَبِهَذَا يَسْقُطُ تَشْنِيعُ الْحَدَّادِيَّةِ الدَّائِمُ عَلَيْنَا بِقَوْلِهِم: "قَاعِدَتُكُمْ هَذِهِ تُنَجِّي كُلَّ ضَالٍّ وَسَاقِطٍ وَتُذِيبُ الْفَوَارِقَ"! كَلَّا، بَلْ هِيَ قَاعِدَةٌ تُنَجِّي أَئِمَّةَ الْهُدَى، وَتُسْقِطُ رُؤُوسَ الضَّلَال!

وَقُوَّةُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَنَّهَا لَمْ تَصْدُرْ مِنْ رَجُلٍ مُتَأَخِّرٍ، بَلْ نَطَقَ بِهَا سَيِّدُ التَّابِعِينَ وَأَعْلَمُهُمْ بِالْقَضَاءِ وَالسُّنَّةِ، الَّذِي أَدْرَكَ كِبَارَ الصَّحَابَةِ وَنَهِلَ مِنْ مَعِينِهِم. فَلَيْسَ هَذَا "تَمْيِيعًا مُعَاصِرًا" كَمَا يَزْعُمُ الْغُلَاةُ، بَلْ هُوَ "مَنْهَجُ السَّلَفِ" الْأَصِيلُ الَّذِي يَتَشَدَّقُونَ زَيْفًا بِاتِّبَاعِهِ!

فَالْآنَ، اعْرِضُوا عَلَى هَذَا الْمِيزَانِ السَّلَفِيِّ صَنِيعَ الْقَوْم.. لِتَرَوْا كَيْفَ عَكَسُوا دِينَ اللَّهِ عَكْسًا تَامًّا!

إِنَّ الْحَدَّادِيَّةَ الْيَوْمَ يَأْخُذُونَ الزَّلَّةَ الْوَاحِدَةَ، أَوِ الْكَلِمَةَ الْوَاحِدَةَ لِلْإِمَامِ، فَيَجْعَلُونَهَا هِيَ الرَّجُلَ كُلَّهُ! وَيَطْوُونَ قُرُونًا مِنَ الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ وَنُصْرَةِ الدِّينِ، وَكَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ أَصْلًا!

لَقَدْ قَلَبُوا مِيزَانَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ؛ فَبَدَلَ أَنْ يُذْهِبُوا النَّقْصَ الْقَلِيلَ بِالْفَضْلِ الْكَثِيرِ.. تَرَاهُمْ يُذْهِبُونَ الْفَضْلَ الْعَظِيمَ بِالنَّقْصِ الْيَسِيرِ! فَجَعَلُوا الْبَحْرَ الطَّاهِرَ يَنْجُسُ بِقَطْرَةٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ وَجَعَلُوا الْقَطْرَةَ تَبْتَلِعُ الْبَحْرَ!

فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَهْدَى سَبِيلًا؟ مَنْ وَزَنَ النَّاسَ بِمِيزَانِ الصَّحَابَةِ وَسَيِّدِ التَّابِعِين؟ أَمْ مَنْ نَصَبَ لَهُمْ مِقْصَلَةً لَا يَنْجُو مِنْهَا أَحَدٌ، وَلَا يَقْبَلُهَا عَقْلٌ وَلَا شَرْع؟!