رسالة إلى الحدادية · 27 من 89

أَبُو سِنَانٍ الْأَسَدِيّ: مَنْ تَعَلَّمَ الْوَقِيعَةَ فِي النَّاسِ قَبْلَ الْعِلْمِ فَمَتَى يُفْلِح؟

قَالَ أَبُو سِنَانٍ الْأَسَدِيّ: إِذَا كَانَ طَالِبُ الْعِلْمِ قَبْلَ أَنْ يَتَعَلَّمَ مَسْأَلَةً فِي الدِّينِ يَتَعَلَّمُ الْوَقِيعَةَ فِي النَّاسِ؛ مَتَى يُفْلِح؟!

البيانكَأَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ خَرَجَتْ مِنْ فَمِ هَذَا الْإِمَامِ السَّلَفِيِّ وَهُوَ يُشَاهِدُ قَنَوَاتِ الْحَدَّادِيَّةِ الْيَوْم! كَأَنَّهُ جَالِسٌ بَيْنَنَا يَرَى بِأُمِّ عَيْنِهِ دَاءَ زَمَانِنَا: شَابٌّ فِي مُقْتَبَلِ الْعُمُر، لَمْ يُتْقِنْ بَعْدُ أَحْكَامَ وُضُوئِهِ وَطَهَارَتِه، وَهُوَ يَحْفَظُ عَنْ ظَهْرِ قَلْب: فُلَانٌ كَافِر، وَفُلَانٌ مُبْتَدِع، وَفُلَانٌ ضَالّ، وَفُلَانٌ لَا يُؤْخَذُ عَنْهُ الْعِلْم، وَفُلَانٌ مُمَيِّع! فَرَمَاهُمْ أَبُو سِنَانٍ بِسُؤَالِهِ الصَّاعِقِ الَّذِي لَا جَوَابَ لَه: مَتَى يُفْلِح؟!

وَتَأَمَّلُوا دِقَّةَ الْإِمَامِ حِينَ قَال: «يَتَعَلَّمُ الْوَقِيعَة»؛ فَجَعَلَ تَمْزِيقَ الْأَعْرَاضِ "عِلْمًا" يُتَعَلَّم! وَصَدَقَ رَحِمَهُ اللَّه؛ فَإِنَّ لِلْوَقِيعَةِ وَالطَّعْنِ عِنْدَ الْغُلَاةِ مَجَالِسَ تُعْقَد، وَشُيُوخًا يُؤْخَذُ عَنْهُمْ، وَمُصْطَلَحَاتٍ تُحْفَظُ وَتُلَقَّن.

فَالْيَوْمَ يَجْلِسُ الصَّغِيرُ الْحَدَثُ إِلَى شَيْخِهِ الْحَدَّادِيِّ؛ فَلَا يَخْرُجُ مِنْ مَجْلِسِهِ بِمَسْأَلَةٍ يَعْبُدُ اللَّهَ بِهَا، أَوْ آيَةٍ يَرِقُّ بِهَا قَلْبُه.. بَلْ يَخْرُجُ بِقَائِمَةٍ سَوْدَاءَ مُحَدَّثَةٍ بِأَسْمَاءِ الْمَطْعُونِ فِيهِم! فَيَتَخَرَّجُ الْمِسْكِينُ فِي "صِنَاعَةِ الْإِسْقَاط" قَبْلَ أَنْ يَخْطُوَ خُطْوَةً فِي "صِنَاعَةِ الْعِلْم"، وَيُتْقِنُ أَلْقَابَ الْجَرْحِ وَالتَّبْدِيعِ وَالشَّتَائِمِ قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَ فَرَائِضَ دِينِه!

ثُمَّ انْظُرُوا بِأَيِّ مِيزَانٍ وَزَنَ الْإِمَامُ هَذِهِ الْخَسَارَة.. لَمْ يَقُلْ: "مَتَى يَتَعَلَّم؟"، بَلْ قَال: «مَتَى يُفْلِح؟!». وَالْفَلَاحُ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ لِخَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة.

فَأَخْبَرَنَا أَنَّ الْمُصِيبَةَ هُنَا لَيْسَتْ مُجَرَّدَ (تَأَخُّرٍ فِي التَّحْصِيلِ الْعِلْمِيِّ) يُمْكِنُ تَدَارُكُه؛ بَلْ هِيَ (فَسَادٌ فِي الطَّرِيقِ مِنْ أَوَّلِه). لِأَنَّ مَنْ وَجَّهَ قَلْبَهُ إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، فَكُلَّمَا زَادَ اجْتِهَادًا وَسَيْرًا.. زَادَ عَنِ الْكَعْبَةِ بُعْدًا! وَمَنْ كَانَ رَأْسُ مَالِهِ فِي الدُّنْيَا تَتَبُّعَ عَوْرَاتِ الْعُلَمَاءِ وَتَمْزِيقَ أَعْرَاضِهِمْ، فَرِبْحُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَصَّالَةٌ مَخْرُومَة، وَحَسَنَاتٌ تُجْمَعُ طَوَالَ الْعُمُرِ لِتُفَرَّقَ فِي لَحْظَةٍ بَيْنَ خُصُومِهِ الَّذِينَ طَعَنَ فِيهِم!

فَيَا أَيُّهَا الشَّابُّ وَطَالِبَ الْعِلْمِ.. اعْرِضْ قَلْبَكَ الْيَوْمَ عَلَى مِيزَانِ أَبِي سِنَانٍ قَبْلَ أَنْ تُعْرَضَ غَدًا عَلَى الْمِيزَانِ الْأَكْبَر:

أَحْصِ مَا تَحْفَظُ مِنْ مَسَائِلِ الْفِقْهِ وَأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ، ثُمَّ أَحْصِ مَا تَحْفَظُ مِنَ الطُّعُونِ وَالرُّدُودِ عَلَى الشُّيُوخِ وَالْعُلَمَاءِ وَالدُّعَاةِ، وَانْظُرْ أَيُّ الْكِفَّتَيْنِ أَرْجَحُ فِي صَدْرِك؟!

فَإِنْ رَجَحَتْ كِفَّةُ الطُّعُونِ؛ فَاعْلَمْ يَقِينًا أَنَّكَ مِنْ تَلَامِيذِ هَذِهِ الْمَدْرَسَةِ الْحَدَّادِيَّةِ الْخَاسِرَةِ وَإِنْ طَالَ شَيْبُكَ وَكَثُرَ ادِّعَاؤُكَ لِلسُّنَّة.

فَبَادِرْ بِالْفِرَارِ مِنْهَا وَالنَّجَاةِ بِدِينِكَ مَا دَامَ فِي الْعُمُرِ بَقِيَّةٌ؛ فَوَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُه، مَا دَعَاكَ أَحَدٌ إِلَى الْفَلَاحِ وَالنَّجَاةِ قَطُّ، مِنْ بَابِ الْوَقِيعَةِ فِي أَعْرَاضِ الْمُسْلِمِين!