مَالِكُ بْنُ دِينَار: كَفَى بِالْمَرْءِ شَرًّا أَنْ لَا يَكُونَ صَالِحًا وَهُوَ يَقَعُ فِي الصَّالِحِين
قَالَ الزَّاهِدُ مَالِكُ بْنُ دِينَار: كَفَى بِالْمَرْءِ شَرًّا أَنْ لَا يَكُونَ صَالِحًا، وَهُوَ يَقَعُ فِي الصَّالِحِين.
البيانهَذِهِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مَوْعِظَةٍ عَابِرَةٍ، بَلْ هِيَ تَشْرِيحٌ نَفْسِيٌّ عَمِيقٌ لِلدَّاءِ الَّذِي يَنْخَرُ فِي قُلُوبِ هَؤُلَاءِ الْغُلَاة! لَقَدْ لَخَّصَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ فِي سَطْرٍ وَاحِدٍ، حَالَ رَجُلٍ جَمَعَ عَلَى نَفْسِهِ "خَسَارَتَيْن": حُرِمَ الصَّلَاحَ وَالْفَضْلَ فِي نَفْسِهِ، ثُمَّ لَمْ يَقْنَعْ بِحِرْمَانِهِ حَتَّى أَطْلَقَ لِسَانَهُ يُمَزِّقُ أَعْرَاضَ أَهْلِ الصَّلَاحِ وَالْفَضْل!
لَوْ سَكَتَ هَذَا الْمِسْكِينُ لَسَتَرَهُ نَقْصُهُ وَخُمُولُهُ، لَكِنَّهَا النَّفْسُ الْمَرِيضَةُ؛ إِذَا فَاتَهَا اللَّحَاقُ بِرَكْبِ الْفُضَلَاءِ، وَعَجَزَتْ عَنْ تَسَلُّقِ جِبَالِ الْعِلْمِ، عَوَّضَتْ عَجْزَهَا بِمُحَاوَلَةِ هَدْمِهِمْ وَإِسْقَاطِهِمْ، لِتُسَوِّيَهُمْ بِنَفْسِهَا فِي الْقَاع!
وَهُنَا يَنْكَشِفُ السِّرُّ الدَّفِينُ وَرَاءَ هَذَا الْغُلُوّ: إِنَّ الشَّاتِمَ وَالْوَاقِعَ فِي أَعْرَاضِ أَئِمَّةِ الدِّينِ، لَا يَقَعُ فِيهِمْ لِشَيْءٍ وَجَدَهُ "عِنْدَهُمْ".. بَلْ لِشَيْءٍ فَقَدَهُ فِي "نَفْسِهِ"! يَفْتَقِدُ الْعِلْمَ، وَيَفْتَقِدُ الْفَهْمَ، وَيَفْتَقِدُ الْقَبُولَ فِي الْأَرْضِ؛ وَلِذَلِكَ لَا يَشْبَعُ مِنَ الطَّعْنِ وَالشَّتْمِ أَبَدًا.
فَإِذَا رَأَيْتَ ذَلِكَ الْمُتَعَالِمَ الْحَدَّادِيَّ، يَجْلِسُ خَلْفَ الشَّاشَاتِ، مُولَعًا بِإِسْقَاطِ الْجِبَالِ وَالْأَكَابِر.. فَلَا تَسْأَلْ: "مَاذَا وَجَدَ فِيهِمْ لِيَطْعَنَ؟" بَلِ اسْأَلْ: "مَاذَا فَقَدَ مِنْ نَفْسِهِ لِيُعَوِّضَ نَقْصَهُ وَعَجْزَهُ بِالصِّيَاحِ؟!".
وَاقْلِبُوا كَلِمَةَ الْإِمَامِ تَجِدُوا دَوَاءَ هَذَا الدَّاءِ الْعُضَال: اشْتَغِلْ يَا مِسْكِينُ بِإِصْلَاحِ عُيُوبِكَ، وَأَمْسِكْ لِسَانَكَ عَنْ سَادَاتِ الْأُمَّةِ وَأَهْلِ الْفَضْلِ فِيهَا.
فَإِنْ عَجَزَتْ هِمَّتُكَ أَنْ تَلْحَقَ بِرَكْبِ الصَّالِحِينَ، وَقَصَّرَ بِكَ عَمَلُكَ عَنْ بُلُوغِ مَنَازِلِ الْأَئِمَّةِ الْعَامِلِينَ؛ فَلَا تَعْجِزْ عَلَى الْأَقَلِّ أَنْ "تُحِبَّهُمْ" وَتَذُبَّ عَنْ أَعْرَاضِهِمْ!
فَالْمَرْءُ يُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ مَنْ أَحَبّ.. وَالْوَاقِعُ فِيهِمْ لَا يُحْشَرُ مَعَهُمْ قَطُّ، بَلْ يُحْشَرُ مَعَ الطَّعَّانِينَ وَاللَّعَّانِينَ وَالْوَاقِعِينَ!
فَلْيَخْتَرْ لِنَفْسِهِ أَيَّ الْمُعَسْكَرَيْنِ أَحَبُّ إِلَيْهِ غَدًا بَيْنَ يَدَيِ اللَّه!
