رسالة إلى الحدادية · 29 من 89

الإمام مالك عن أبي حنيفة: لو كلَّمك في هذه السارية أن يجعلها ذهبًا لقام بحجته

قيل لمالك بن أنس: هل رأيت أبا حنيفة؟ قال: نعم، رأيت رجلًا لو كلَّمك في هذه السارية أن يجعلها ذهبًا لقام بحجته.

البيانتأملوا في هذا الأثر العظيم لتتعلموا كيف كانت أخلاق الجبال، وكيف كان إنصاف الأئمة لبعضهم، ثم انظروا إلى القاع الذي يتمرغ فيه غلاة اليوم!

هذه الكلمة المنصفة صدرت من إمام دار الهجرة، وهو من هو في التشدد في الرواية والتمسك المحض بالأثر. ومَن الموصوف؟ إنه إمام مدرسة "الرأي" بالكوفة!

ولو كان أبو حنيفة عند مالكٍ رجلاً ساقطاً في دينه، أو مبتدعاً ضالاً يهدم الإسلام -كما يشتهي أهل الطعن- لما وصفه بهذا الوصف المهيب، ولما أشاد بقوة حجته وذكائه أمام تلاميذه!

وتأملوا البون الشاسع؛ إن الإمام مالكاً مخالفٌ لأبي حنيفة، وبينهما ما بين مدرسة الأثر ومدرسة الرأي من تباينٍ منهجي مشهور. ومع هذا الخلاف، لم يمنع ذلك مالكاً من أن ينصف الرجل، ويعترف بقوة حجته، ويحفظ مقامه الإمامي! وهذا هو ميزان "العدل مع المخالف" الذي يفتقده الغلاة.

فيا ليت شعري! قف وسل هذا الحدادي الطعان: هل أنصفتَ مخالفاً لك في مسألةٍ واحدةٍ في عمرك، كما أنصف مالكٌ أبا حنيفة في منهجٍ كامل؟! هل ذكرتَ يوماً حسنةً واحدةً لمن تختلف معه، أم أن الخلاف عندك مبررٌ لسلخ الجلد، وهتك العرض، ونسف المنجزات والفضائل؟!

إن ميزان العدل لا يُختبر مع الموافق المقلِّد؛ فالعدل مع الموافق لا يدل على فضل، بل يفعله البر والفاجر. إنما يُبتلى دين الرجل، وتُمتحن مروءته، إذا وقف وجهاً لوجه أمام خصمه ومخالفه!

فرحم الله أئمةً اختلفوا فأنصفوا وعذروا، وعافانا الله من غلاةٍ إذا خالفوا فجروا، وإذا خاصموا نسفوا.