رسالة إلى الحدادية · 30 من 89

الإمام مالك: ما منّا إلا رادٌّ ومردودٌ عليه إلا صاحبَ هذا القبر

قال الإمام مالك بن أنس: ما منّا إلا رادٌّ ومردودٌ عليه، إلا صاحب هذا القبر.

البيانقفوا عند هذه الكلمة العظيمة التي أطلقها إمام دار الهجرة عند الحجرة النبوية؛ ليجعل العصمة المطلقة لصاحب القبر ﷺ وحده، ويُنزل نفسه ومن معه من الأئمة منزلةَ البشر الذين يجتهدون، فيُخطئون ويُصيبون.

وإن تعجبوا، فاعجبوا من هؤلاء الغلاة الذين يرفعون هذه الكلمة شعاراً لهم يلوكونه بألسنتهم في كل مجلس، وهم لا يفقهون أنها حجةٌ قاصمة عليهم لا لهم!

فهم يستدلون بها لتبرير وقيعتهم في الأئمة قائلين: (يجوز لنا أن نرد على النووي وابن حجر لأن مالكاً قال: ما منا إلا راد ومردود عليه)!

فنقول لهم: نعم، الرد العلمي المكتمل الشروط حق.. ولكن هذه الكلمة الذهبية تثبت أمراً يهدم أصولكم من القواعد؛ وهو أن "الرَّدَّ لا يُسقِطُ المردودَ عليه"!

فلو كان كل من رُدَّ عليه قولٌ، أو خُطِّئ في مسألةٍ وتأويل، سقط من الإمامة وبُدِّع وهُجر -كما هو ميزانكم-.. لسقط الإمام مالكٌ نفسُه! ولَسقط من قبله ومن بعده! إذ هو القائل المُقِر: «ما منا إلا مردود عليه». فبموجب مذهبكم الفاسد، لم يبقَ على وجه الأرض إمامٌ ولا عالمٌ إلا وقد سقط!

إن "الرد" عند الغلاة؛ مقصلةٌ للإسقاط، وميدانٌ للتشنيع، والتبديع، وتمزيق الأعراض.

أما "الرد" عند الإمام مالك والسلف الصالح؛ فهو بابٌ من أبواب "التكامل العلمي". هذا الإمام يُبيّن ما خفي على ذاك، وذاك يستدرك ما فات الأول.. فيتكامل صرح الشريعة بمجموعهم، ولا يكتمل بواحدٍ منهم استقلالاً إلا المعصوم ﷺ.

فيا أيها الغالي: إن الرد على زلة الإمام بحجةٍ وعلم، مع حفظ مقامه وإمامته وفضله؛ هو دين أهل السنة والجماعة.

أما اتخاذ زلته حجةً لإسقاطه، ونسف جهوده، ومحو تاريخه، والطعن في عقيدته.. فهو دين الخوارج والحدادية الجدد! فضع نفسك حيث شئت من المدرستين.