سبعون مسألةً أحصاها الليثُ على مالك، فلم تُسقط إمامتَه: فأين ذهبت؟
قال الليث بن سعد إمامُ أهل مصر: أحصيتُ على مالك بن أنس سبعين مسألةً كلُّها مخالفةٌ لسنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ممّا قال فيه برأيه.
البياناقرأ هذا الأثر مرّتين، ثم اسأل سؤالًا واحدًا: أين ذهبت هذه السبعون؟ لماذا لم تصر مشروعًا لإسقاط مالك؟ ولماذا لم يُبنَ عليها كتابٌ في تجريحه ولا قائمةٌ يُمتحن بها الناس؟
والقائلُ ليس خصمًا ولا مجهولًا. هو الليث بن سعد، إمامُ أهل مصر، الذي قال فيه الشافعي: «الليثُ أفقهُ من مالك، إلا أن أصحابه لم يقوموا به». فهذا إمامٌ كبيرٌ يُحصي على إمامٍ كبير، ثم لا يترتّب على الإحصاء إسقاطٌ ولا تبديع؛ بل بقيت بينهما المراسلةُ والمودّة، وبقي مالكٌ إمامَ دار الهجرة في قلوب الأمة إلى اليوم.
وانظر إلى صنيع الأمة بهذا الإحصاء: طوته ولم تُشِعه. ما صار كتابًا يُتداول، ولا مادّةً تُدرس، ولا سلاحًا يُشهر في وجه مالك؛ بل بقي أثرًا في بطون الكتب يُذكَرُ لبيان أدب الأئمة بعضهم مع بعض، لا لإسقاط أحد. ثم انظر إلى غلمان اليوم: ينقّبون في كتب الأئمة عن الزلّة، فإذا ظفروا بها بثّوها في المقاطع والمنشورات وعدّوا العثور عليها فتحًا. فالسلفُ كانوا يطوون، وهؤلاء ينشرون؛ وهذه وحدها تكشف الفرق بين الغيرة على الدين والغيرة على الجماعة.
وموضعُ الحجّة أنّ العدد بلغ سبعين، لا واحدةً ولا اثنتين. ولو أنّ حداديًّا وجد اليوم مخالفةً واحدةً لسنّةٍ عند إمامٍ لجعلها عنوانَ مقطعٍ ومادّةَ مباهلة. فما الذي منع الليثَ وهو أعلمُ وأتقى؟ منعه فقهُ الفرق بين الزلّة والمنهج: أن العالم يخالف السنّة وهو يقصد اتّباعها، لأنه لم تبلغه، أو بلغته من وجهٍ لم يثق به، أو تأوّلها، أو ظنّها منسوخة.
وهذا هو الذي قرّره شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: «ليس أحدٌ من الأئمة المقبولين عند الأمة قبولًا عامًّا يتعمّد مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيءٍ من سنّته، دقيقٍ ولا جليل؛ فإنهم متّفقون اتّفاقًا يقينيًّا على وجوب اتّباع الرسول». فالمخالفة واقعة، والتعمُّد منتفٍ. ومن سوّى بينهما فقد جنى على الأئمة كلِّهم.
ثم إن في الأثر إلزامًا لا مخرج منه: إن كانت المخالفة للسنّة تُسقِطُ صاحبَها، فمالكٌ أوّلُ الساقطين بشهادة الليث. فإن قلتَ: معاذ الله، مالكٌ إمامٌ متأوّل معذور - فقد قلتَ بقولنا في النووي وابن حجر وأبي حنيفة سواءً بسواء. وإن قلتَ: بل يَسقُطُ - فقد هدمتَ المذاهب الأربعة بيدك، ولم يبقَ في الأمة إمام.
ولم يبقَ هذا فرضًا نظريًّا. فقد خرج من الحدادية من نبش أخطاء الإمام مالك ثم طعن فيه، فما أنكر عليه محمد بن شمس الدين، ولا عبد الله الخليفي، ولا عبد الرحمن دمشقية. وهؤلاء الذين تنفجر غيرتُهم على من ترحّم على النووي ناموا عن الطاعن في إمام دار الهجرة. وبمثل هذا الأسلوب - أن يجلس الرجل إلى كتب الإمام فيلتقط زلّاته ثم يبني عليها حكمًا - يستطيع كلُّ جاهلٍ أن يُسقِطَ من شاء من علماء الإسلام؛ فما من إمامٍ إلا وله ما يُنتقد، فإذا صار الالتقاطُ ميزانًا لم يثبت في الأمة أحد.
يا هذا، ما من عالمٍ إلا وله زلّة، ولو شاء الله لعصمهم، ولكنه أراد أن تبقى العصمةُ لنبيّه وحده حتى لا يُعبد أحدٌ من دونه. فمن أسقط كلَّ من زلَّ فقد أسقط نفسه أوّلًا، فإنه أكثرُهم زللًا وأقلُّهم علمًا. وستقف يومًا بين يدي الله وليس معك من علمك إلا ما عملتَ به، فأيُّهما تحبّ أن تُبعث عليه: على صحيفةٍ فيها ذبٌّ عن أعراض أهل العلم، أم على صحيفةٍ فيها إحصاءُ زلّاتهم؟
