الشافعي: الناسُ في الفقه عيالٌ على أبي حنيفة
قال الإمام محمد بن إدريس الشافعي: الناس عيال على هؤلاء الخمسة؛ من أراد أن يتبحر في الفقه فهو عيال على أبي حنيفة.
البياناقرؤوا هذه الشهادة الجليلة ممن خَبَرَ الفقه وموازينه. فالإمام الشافعي من أعرف الناس بأبي حنيفة ومدرسته؛ فقد جالس تلميذه محمد بن الحسن الشيباني وأخذ عنه، ثم خالفهم في مسائل لا تُحصى من الأصول والفروع، حتى استقر له مذهبٌ فقهي مستقل يقابل مذهبهم!
ومع هذا الخلاف الجذري والعميق.. ماذا قال الشافعي؟ قال بلسان الإنصاف الصادق الذي لا تعرفه قلوب الغلاة: «الناس كلهم عيال عليه في الفقه».
ثم تأمّلوا دقة العبارة التي تحمل أمراً صريحاً: «فليلزم أبا حنيفة وأصحابه». فالشافعي هنا لم يقتصر على الثناء المجرّد في المجالس، بل أمَرَ طالب العلم بلزوم هذا الإمام والأخذ عنه! ومن المعلوم بالضرورة؛ أن الإمام السني الناصح لأمته، لا يأمر الناس بلزوم رجلٍ يراه مبتدعاً ضالاً، ولا يُحيل طلاب العلم قط على إمامٍ يجب إسقاطه والتحذير منه!
واعلموا أن هذه الكلمة المنصفة، تُغلق باباً خبيثاً يفتحه الغلاة اليوم؛ فهم يوهمون الأتباع أن "الخلاف الشديد" في المسائل أو مناهج الاستدلال، يبيح لهم التشنيع، والتبديع، والإسقاط! فهنا خلافٌ جذري بين الشافعي وأبي حنيفة يمتد لأصل المنهج الفقهي كله.. ولم يمنع ذلك الشافعيَّ أن ينصف مخالفه، ويعظّم مقامه، ويأمر بالأخذ عنه والتلمذة على فقهه!
فأين هذا الميزان الشافعي العظيم، من ميزان الحدادية الأعمى؟! الذين يسقطون أئمة الدين وحفاظ الحديث كابن حجر والنووي لخطأٍ في تأويل، ثم يزعمون كذباً أنهم حماة السنة وأتباع السلف!
السلف الصالح اختلفوا فأحسنوا أدب الخلاف، وعذر بعضهم بعضاً، وأثنى بعضهم على بعض. أما هؤلاء الغلاة؛ فجعلوا الخلاف معولاً لهدم علماء الأمة، وسيفاً لتنقيص الأكابر، فشتان بين الباني والهدّام.
