الشافعي: قد يجهل العالمُ السنةَ فيخالفها من غير عمد، فلا يُتَّهم في دينه
قال الإمام محمد بن إدريس الشافعي: وأما أن نخالف حديثًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابتًا عنه فأرجو ألا يؤخذ ذلك علينا إن شاء الله، وليس ذلك لأحد؛ ولكن قد يجهل رجلٌ السنةَ فيكون له قولٌ يخالفها، لا أنه عَمَد خلافها. وقد يغفل المرء ويخطئ في التأويل.
البياناقرؤوا هذا الأصل الشافعي العظيم، لتروا كيف تتبدد الشبهات حين تُرَدُّ إلى موازين العلم الراسخة.
إن الفارق بين ميزان السلف وميزان الحدادية الجدد، يتجلى كله في هذه الكلمات القليلة: «لا أنه عَمَد خلافها».
فالمخالفة الناشئة عن جهلٍ أو تأويل هي شيء، والمخالفة الناشئة عن معاندةٍ واستكبار هي شيء آخر تماماً. الأولى خطأٌ يُصحَّح ويُعذر قائله لصدق نيته، والثانية ضلالٌ ومكابرة يُدان بها صاحبها.
وقائلُ هذا الكلام ليس رجلاً متساهلاً في أبواب الاعتقاد ليزايد عليه غلاة اليوم! بل هو الإمام الشافعي، الملقب بـ "ناصر السنة"، الذي شدّد في وجوب اتباع الأثر أشدَّ التشديد، حتى كان يقول مقالته الشهيرة: «إذا صحّ الحديث فهو مذهبي، واضربوا بقولي عرض الحائط». فلا يملك الحدادي أن يهرب ويقول: قالها متساهلٌ أو مميِّع!
ثم تأملوا كيف نصّ الشافعي على ثلاثة أبواب شرعية للعذر، ينكرها الحدادية اليوم ويغلقونها بقسوة في وجوه العلماء:
الأول: "الجهل بالسنة".
والثاني: "الغفلة".
والثالث: "الخطأ في التأويل".
وهذه الأعذار الثلاثة -التي أقرها الشافعي- هي موانع شرعية يقفز من فوقها الغلاة اليوم وكأنها غير موجودة، ليسارعوا إلى الحكم بالتضليل والتبديع والإسقاط بمجرد رؤيتهم لزلة الإمام!
فيا سبحان الله! قف أمام هذا الغالي الذي يُبَدِّعُ عالماً مجتهداً لمجرد مخالفته لنص، واسأله:
هل أثبتَّ على الإمام "العمد" وقصد المعاندة لرسول الله ﷺ؟ أم اكتفيت بمجرد "وقوع المخالفة" لتسقط الرجل؟!
فإن زعم أنه أثبت العمد؛ فقد شق عن قلبه وادعى علم الغيب، واتهم أئمة الدين وحفّاظه بمعاندة الشريعة عمداً، وهذا من أبشع الافتراء!
وإن اعترف بأنه اكتفى بمجرد وقوع المخالفة دون النظر في القصد والتأويل؛ فقد حكم بلا أساسٍ شرعي، وخالف ميزان الشافعي وميزان السلف قاطبة، الذين يفرقون بين زلة المجتهد المتأول، وبين جرأة المبتدع المعاند!
