رسالة إلى الحدادية · 34 من 89

أدبُ الإمام أحمد: استوى جالسًا وقال «لا ينبغي أن يُذكر الصالحون فيُتَّكأ»

قال أبو زرعة: سمعت أحمد بن حنبل وذُكر عنده إبراهيم بن طهمان - وكان متكئًا من علّة - فاستوى جالسًا وقال: لا ينبغي أن يُذكَرَ الصالحون فيُتَّكأ.

البيانهذا الموقف العظيم أبلغ من ألف خطبة! رجلٌ مريضٌ متعب، يتكئ ليريح بدنه المنهك، فما إن يُذكَرُ اسمُ رجلٍ من أهل العلم حتى ينتفض، ويغالب مرضه، ويستوي جالساً إجلالاً وتوقيراً للمذكور، قائلاً: «لا ينبغي أن يُذكَرَ الصالحون فيُتَّكأ». لقد جعل الإمام أحمد راحة بدنه تابعةً لحرمة أخيه المسلم.

ولكن الصدمة التي تخرس ألسنة الغلاة وتفضح حقيقة منهجهم، هي في كشف هوية هذا المذكور.. هل تعلمون من هو إبراهيم بن طهمان؟ إنه إمامٌ من أئمة الحديث، نعم، ولكنه ممن رُمي ببدعة (الإرجاء)! ومع هذا الخلل العقدي؛ عدّه الإمام أحمد في الصالحين، وحفظ له سابقته، وأجلّ ذكره حتى اعتدل من مرضه احتراماً لاسمه!

وهنا المقتل الذي يعري الحدادية ويفضح سوءاتهم على رؤوس الأشهاد: بموجب قواعدهم الصارمة اليوم، يجب عليهم أن يُسقطوا الإمام أحمد بن حنبل ويُبدّعوه! لماذا؟ لأنه بفعله هذا يُعد في ميزانهم "مُوقِّراً لأهل البدع"، ومن وقّر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام كما يقررون! فكيف ينجو الإمام أحمد من مقصلتهم وقد وقّر من رُمي بالإرجاء؟!

ولكي تدركوا حجم الانحطاط الذي وصل إليه غلاة اليوم، قارنوا بين صنيع إمام أهل السنة أحمد بن حنبل مع رجلٍ رُمي بالإرجاء، وبين صنيع أحد رؤوس الحدادية المعاصرين (محمد شمس الدين) حين خرج على شاشات يوتيوب يباهل على بدعة الإمام أبي حنيفة بعد رميه بالإرجاء! يخرج على الملأ، بقلبٍ قاسٍ ولسانٍ فاجر، ويطلب من الله أن يلعنه ويهلكه ويهلك أهله إن لم يكن أبو حنيفة مبتدعاً ضالاً!

يا الله! أيُّ فجورٍ في الخصومة هذا؟! وأي جرأةٍ على الله وعلى أعراض الأئمة؟! إمام أهل السنة ينتفض من مرضه إجلالاً لعالمٍ رُمي بالإرجاء.. وصعلوك الحدادية يباهل بلعنة الله وهلاك أهله ليثبت أن إماماً كأبي حنيفة مبتدعٌ ضال! مجلسٌ سلفيٌ نقي يُعتدل فيه من الاتّكاء إجلالاً لذكر عالمٍ أخطأ.. وشاشاتٌ حدادية سوداء تُعقد فيها جلسات اللعن والمباهلة لإسقاط أئمة الإسلام!

فيا أيها الغالي المفتون: إذا كان ميزانك يقتضي تبديع من يُوقّر من وقع في الإرجاء، فابدأ بتبديع الإمام أحمد بن حنبل وإسقاطه إن كنت تملك شجاعة الخوارج! وإن لم تفعل -ولن تفعل- فاعلم أن منهجكم باطلٌ متناقض من أساسه، وأنكم لم ترثوا من السلف إلا الأسماء، بينما ورثتم من الخوارج الجرأة على الأعراض واستباحة الحرمات.

فبين ميزان الإمام أحمد وميزانكم كما بين الثرى والثريا؛ ميزانه ميزان الرحمة وحفظ المقامات، وميزانكم ميزان اللعن والغل والمباهلة على إسقاط الأئمة.