الشِّنْقِيطِيّ: الْمُتَأَوِّلُونَ فِي الصِّفَاتِ قَصْدُهُمُ التَّنْزِيهُ، فَنَرْجُو لَهُمُ الْمَغْفِرَةَ وَإِنْ سَاءَتِ الطَّرِيق
قَالَ الْعَلَّامَةُ الشِّنْقِيطِيّ: وَنَحْنُ نَرْجُو أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ تَعَالَى لِلَّذِينَ مَاتُوا عَلَى هَذَا الِاعْتِقَاد؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَقْصِدُونَ تَشْبِيهَ اللَّهِ بِخَلْقِهِ، وَإِنَّمَا يُحَاوِلُونَ تَنْزِيهَهُ عَنْ مُشَابَهَةِ خَلْقِه. فَقَصْدُهُمْ حَسَنٌ، وَلَكِنْ طَرِيقُهُمْ إِلَى ذَلِكَ الْقَصْدِ سَيِّئَة. وَإِنَّمَا نَشَأَ لَهُمْ ذَلِكَ السُّوءُ بِسَبَبِ أَنَّهُمْ ظَنُّوا لَفْظَ الصِّفَةِ الَّتِي مَدَحَ اللَّهُ بِهَا نَفْسَهُ يَدُلُّ ظَاهِرُهُ عَلَى مُشَابَهَةِ صِفَةِ الْخَلْقِ، فَنَفَوُا الصِّفَةَ الَّتِي ظَنُّوا أَنَّهَا لَا تَلِيقُ قَصْدًا مِنْهُمْ لِتَنْزِيهِ اللَّهِ، وَأَوَّلُوهَا بِمَعْنًى آخَرَ يَقْتَضِي التَّنْزِيهَ فِي ظَنِّهِمْ. فَهُمْ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّه: رَامَ نَفْعًا فَضَرَّ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، وَمِنَ الْبِرِّ مَا يَكُونُ عُقُوقًا. وَنَحْنُ نَرْجُو أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ خَطَأَهُمْ، وَأَنْ يَكُونُوا دَاخِلِينَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. وَخَطَؤُهُمُ الْمَذْكُورُ لَا شَكَّ فِيهِ، وَلَوْ وَفَّقَهُمُ اللَّهُ لِتَطْهِيرِ قُلُوبِهِمْ مِنَ التَّشْبِيهِ أَوَّلًا، وَجَزَمُوا بِأَنَّ ظَاهِرَ صِفَةِ الْخَالِقِ هُوَ التَّنْزِيهُ عَنْ مُشَابَهَةِ صِفَةِ الْمَخْلُوقِ، لَسَلِمُوا مِمَّا وَقَعُوا فِيه.
البيانوَثِيقَةٌ قُرْآنِيَّةُ النَّزْعَةِ، مِنْ إِمَامٍ رَاسِخٍ، تُشَرِّحُ عَقْلِيَّةَ الْمُخَالِفِ بِمِبْضَعِ الرَّحْمَةِ، وَتَفْصِلُ بِعَبْقَرِيَّةٍ بَيْنَ (نُبْلِ الْقَصْدِ) وَ(سُوءِ الطَّرِيق)!
اعْرِفْ أَوَّلًا مَوْضِعَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ لِتَعْرِفَ قَدْرَهَا؛ فَقَدْ سَطَّرَهَا الشِّنْقِيطِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ (أَضْوَاءِ الْبَيَانِ) عَقِبَ نَقْضِهِ الصَّارِمِ لِتَأْوِيلَاتِ الْأَشَاعِرَة!
فَهِيَ إِعْذَارٌ جَاءَ بَعْدَ التَّفْنِيدِ وَالتَّحْقِيقِ، وَفِي مَقَامِ تَقْرِيرِ الْعَقِيدَةِ، لَا فِي مَقَامِ الِاسْتِطْرَاد. وَهَذَا يَنْسِفُ دَعْوَى الْغُلَاةِ الْقَائِلَةَ بِأَنَّ "الْجَمْعَ بَيْنَ الْجَزْمِ بِالْخَطَأِ وَالتَّرَحُّمِ عَلَى الْمُخْطِئِ مُسْتَحِيل"! فَهَا هُوَ الْإِمَامُ يَجْزِمُ بِضَلَالِ التَّأْوِيلِ، ثُمَّ يَرْفَعُ يَدَيْهِ بِالدُّعَاءِ وَالتَّرَحُّمِ لِلْمُتَأَوِّل.
وَجِمَاعُ الْحُجَّةِ فِي هَذَا الْأَثَرِ يَتَلَخَّصُ فِي تِسْعِ كَلِمَاتٍ فَارِقَة: «فَقَصْدُهُمْ حَسَنٌ، وَلَكِنْ طَرِيقُهُمْ إِلَى ذَلِكَ الْقَصْدِ سَيِّئَة». هُنَا يَتَجَلَّى فِقْهُ الرَّاسِخِينَ الَّذِي يَعْجِزُ عَنْهُ الْغُلَاةُ الْحَدَّادِيَّةُ؛ فَهُمْ لَا يَمْلِكُونَ مِيزَانًا يُفَرِّقُ بَيْنَ (الْقَصْدِ) وَ(الطَّرِيقِ)، بَلْ مِيزَانُهُمْ وَاحِدٌ يُصَبُّ عَلَى الرَّجُلِ كُلِّهِ: "إِذَا كَانَ الطَّرِيقُ سَيِّئًا، فَالرَّجُلُ خَبِيثٌ وَمُبْتَدِع"! أَمَّا الْإِمَامُ الشِّنْقِيطِيُّ فَفَصَلَ بَيْنَ فَسَادِ الْأَدَاةِ وَنُبْلِ الْغَايَة.
وَأَنْفَسُ مَا فِي هَذَا النَّصِّ، أَنَّ الْإِمَامَ لَمْ يَكْتَفِ بِإِطْلَاقِ الْعُذْرِ، بَلْ غَاصَ فِي (مَأْخَذِ الشُّبْهَةِ)، فَكَشَفَ الْعِلَّةَ النَّفْسِيَّةَ لِلْمُتَأَوِّلِينَ، مُبَيِّنًا أَنَّهُمْ هَرَبُوا مِنَ التَّشْبِيهِ فَوَقَعُوا فِي التَّعْطِيل. وَهَذَا هُوَ الْفَارِقُ الْجَوْهَرِيُّ بَيْنَ (الْعَالِمِ الرَّاسِخِ) وَ(الْمُتَعَالِمِ الطَّعَّانِ)؛ فَالرَّاسِخُ يُشَخِّصُ الدَّاءَ ثُمَّ يَصِفُ الدَّوَاءَ بِعِلْمٍ وَرَحْمَةٍ، أَمَّا الْمُتَعَالِمُ فَيَكْتَفِي بِإِصْدَارِ صُكُوكِ الْإِعْدَامِ وَالْإِسْقَاط! وَلِذَلِكَ كَانَ أَعْرَفُ النَّاسِ بِمَذَاهِبِ الْمُخَالِفِينَ وَأُصُولِهِمْ.. أَرْحَمَهُمْ بِهِمْ، وَأَقْدَرَهُمْ عَلَى نَقْضِ شُبُهَاتِهِمْ دُونَ ظُلْم.
ثُمَّ انْظُرْ إِلَى الدَّلِيلِ الْقُرْآنِيِّ الدَّقِيقِ: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَٰكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾؛ فَاللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ عَلَّقَ الْمُؤَاخَذَةَ بِـ (تَعَمُّدِ الْقَلْبِ لِلْمُخَالَفَةِ)، لَا بِمُجَرَّدِ (وُقُوعِ الْخَطَأ). وَالْأَئِمَّةُ الْمُتَأَوِّلُونَ كَالنَّوَوِيِّ وَابْنِ حَجَرٍ لَمْ تَتَعَمَّدْ قُلُوبُهُمْ مُصَادَمَةَ النُّصُوصِ، بَلْ رَامُوا تَنْزِيهًا فَأَخْطَؤُوا طَرِيقَه.
فَاعْرِضْ بَيْتَ الشَّافِعِيِّ الَّذِي سَاقَهُ الشِّنْقِيطِيُّ عَلَى نَفْسِكَ أَوَّلًا أَيُّهَا الْمُتَصَدِّرُ لِلتَّبْدِيعِ: «رَامَ نَفْعًا فَضَرَّ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ .. وَمِنَ الْبِرِّ مَا يَكُونُ عُقُوقًا»!
كَمْ مِنْ غَيُورٍ مَغْرُورٍ يَظُنُّ أَنَّهُ (يَنْفَعُ) الْعَقِيدَةَ بِتَنْقِيصِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ وَإِسْقَاطِهِمْ، فَإِذَا بِهِ (يَضُرُّ) الدِّينَ وَيُنَفِّرُ شَبَابَهُ وَيَهْدِمُ أَرْكَانَه! وَكَمْ مِنْ طَعَّانٍ يَظُنُّ أَنَّهُ يَتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ بِـ (بِرِّ) السُّنَّةِ، فَإِذَا بِصَنِيعِهِ فِي أَعْرَاضِ الْعُلَمَاءِ هُوَ أَقْبَحُ (الْعُقُوقِ) لِوَرَثَةِ الْأَنْبِيَاء!
فَاتَّقِ اللَّهَ، وَاعْلَمْ أَنَّ سَلَامَةَ صَدْرِكَ لِلْمُسْلِمِينَ، خَيْرٌ لَكَ مِنْ غَيْرَةٍ عَمْيَاءَ وَجَفَاءٍ غَلِيظٍ يُورِدُكَ الْمَهَالِك.
