نَاصِرُ الْعَقْل: تَفْسِيقُ أَبِي حَنِيفَةَ خَطَأٌ لَا يَجُوزُ، وَعَامَّةُ السَّلَفِ يَتَرَحَّمُونَ عَلَيْهِ
قَالَ الشَّيْخُ نَاصِرٌ الْعَقْل: أَمَّا تَفْسِيقُ مِثْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَهُوَ خَطَأٌ وَلَا يَجُوز؛ نَعَمْ، تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ الْمُعَاصِرِينَ لَهُ، لَكِنْ مَا عَلَيْهِ جُمْلَةُ السَّلَفِ، وَمَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ أَمْرُهُمْ فِي شَأْنِهِ، هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُعَوَّل... فَعَامَّةُ السَّلَفِ يَتَرَحَّمُونَ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ، وَيَرَوْنَهُ رَحِمَهُ اللَّهُ مِنْ أَئِمَّةِ الدِّينِ وَمِنْ أَئِمَّةِ السَّلَف. فَتَفْسِيقُهُ أَوْ تَبْدِيعُهُ أَظُنُّ أَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الْجِنَايَةِ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَجْرُؤَ طُلَّابُ الْعِلْمِ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَة.
البيانقِفْ أَيُّهَا الْمُوَفَّقُ أَمَامَ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ الْمَنْهَجِيَّةِ الذَّهَبِيَّةِ، الَّتِي تَقْطَعُ دَابِرَ الْجَدَلِ، وَتَسُدُّ أَبْوَابَ الْفِتْنَة: (الْعِبْرَةُ بِمَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ أَمْرُ الْأُمَّةِ وَسَلَفِهَا، لَا بِمَا قِيلَ فِي بِدَايَاتِ الْخِلَافِ وَمَرْحَلَةِ الْفِتْنَةِ).
لَقَدْ أَشَارَ الشَّيْخُ إِلَى أَصْلٍ سَلَفِيٍّ عَظِيمٍ فِي تَقْيِيمِ الرِّجَال؛ فَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ "كَلَامَ الْأَقْرَانِ وَالْمُعَاصِرِينَ" لِبَعْضِهِمُ الْبَعْضَ تُطْوَى صَفَحَاتُهُ، وَلَكِنَّ غُبَارَ الْخِلَافِ يَنْجَلِي، وَيَسْتَقِرُّ أَمْرُ الْأُمَّةِ وَعَامَّةِ السَّلَفِ بَعْدَ مَوْتِ هَؤُلَاءِ الْأَقْرَانِ عَلَى مَا يَرْضَاهُ اللَّهُ مِنْ حِفْظِ الْإِمَامَةِ وَالْفَضْلِ لِأَهْلِهَا، وَهَذَا (الِاسْتِقْرَارُ) هُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْه.
أَمَّا صَنِيعُ الْحَدَّادِيَّةِ الْيَوْمَ فَهُوَ عَكْسُ الْمَنْهَجِ السَّلَفِيِّ تَمَامًا! فَهُمْ يَعْمِدُونَ إِلَى مَقَابِرِ التَّارِيخِ، فَيَنْبِشُونَ الْكَلَامَ الْأَوَّلَ الْقَدِيمَ الَّذِي قِيلَ فِي غَمْرَةِ الْفِتْنَةِ وَالْخُصُومَةِ، وَيَطْوُونَ الْإِجْمَاعَ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ أَمْرُ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ ذَلِك! ثُمَّ يَخْرُجُونَ لِلنَّاسِ قَائِلِينَ بِتَلْبِيسٍ: "هَذِهِ نُقُولُ السَّلَفِ الصَّرِيحَة!". وَنَحْنُ نَقُولُ لَهُمْ: نَعَمْ، هِيَ نُقُولٌ صَحِيحَةُ الْإِسْنَادِ، وَلَكِنَّهَا مَعْزُولَةٌ وَمَقْطُوعَةٌ عَنْ مَآلِ الْأَمْرِ وَمَا اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ الْأُمَّة! وَمَثَلُكُمْ فِي هَذَا التَّدْلِيسِ كَمَثَلِ مَنْ يَحْتَجُّ بِالْآيَاتِ الْمَنْسُوخَةِ وَيُخْفِي النَّاسِخَ، لِيُوهِمَ النَّاسَ أَنَّهُ يَتَّبِعُ الْقُرْآن.
ثُمَّ تَأَمَّلُوا كَيْفَ سَمَّى الشَّيْخُ هَذَا الصَّنِيعَ بِاسْمِهِ الشَّرْعِيِّ الدَّقِيق: «نَوْعٌ مِنَ الْجِنَايَة». وَ(الْجِنَايَةُ) فِي لِسَانِ الْعُلَمَاءِ لَفْظٌ ثَقِيلٌ جِدًّا؛ لَا يُقَالُ قَطُّ فِي (اخْتِلَافٍ سَائِغٍ) أَوْ (اجْتِهَادٍ مَحْمُودٍ)، إِنَّمَا يُطْلَقُ عَلَى التَّعَدِّي الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْإِثْمُ وَالْقِصَاص. فَتَبْدِيعُ أَئِمَّةٍ كَأَبِي حَنِيفَةَ، وَابْنِ حَجَرٍ، وَالنَّوَوِيِّ، لَيْسَ اجْتِهَادًا تُؤْجَرُونَ عَلَيْهِ، بَلْ هُوَ "جِنَايَةٌ" بَشِعَةٌ فِي حَقِّ الشَّرِيعَةِ وَأَئِمَّتِهَا!
وَقَوْلُهُ الْحَازِم: «وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَجْرُؤَ طُلَّابُ الْعِلْمِ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَة»، كَأَنَّهُ سَهْمٌ أُطْلِقَ لِيُصِيبَ عَيْنَ مَنْ يَخُوضُ فِيهَا الْيَوْم! فَهُمْ طُلَّابٌ صِغَارٌ، يَتَسَوَّرُونَ مَحَارِيبَ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، وَيَقْتَحِمُونَ أَبْوَابًا مُقْفَلَةً أَحْجَمَ عَنْهَا الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ هَيْبَةً وَوَرَعًا.
فَيَا أَيُّهَا الْمُتَجَرِّئُ الصَّغِير: إِنْ كَانَتْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَعَامَّةُ عُلَمَائِهَا، قَدِ اسْتَقَرَّ أَمْرُهُمْ عَلَى التَّرَحُّمِ عَلَى الْأَئِمَّةِ وَالِاعْتِرَافِ بِإِمَامَتِهِمْ، فَمَنْ أَنْتَ لِتُعِيدَ مُحَاكَمَتَهُمْ بَعْدَ أَلْفِ عَامٍ وَتَجْنِيَ عَلَى مَقَامَاتِهِمْ؟! إِنَّ خَوْضَكَ فِي تَبْدِيعِ الْأَئِمَّةِ لَيْسَ شَجَاعَةً فِي الْحَقِّ كَمَا يُوَسْوِسُ لَكَ شَيْطَانُكَ، بَلْ هُوَ "جِنَايَةٌ" فِي مِيزَانِ الشَّرْعِ، وَوَقَاحَةٌ فِي مِيزَانِ الْعَقْل!
وَسَتَقِفُ غَدًا أَمَامَ دَيَّانِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لِتُسْأَلَ عَنْ جِنَايَتِكَ يَوْمَ لَا يَنْفَعُكَ غُلُوُّكَ، وَلَا تَصْفِيقُ الْغَوْغَاءِ لَك.
