رسالة إلى الحدادية · 89 من 89

العبيد: إذا أراد اللهُ أن يجعل طالبَ علمٍ عبرةً سلَّ لسانَه على أكابر العلماء

قال الشيخ الدكتور عبد الله العبيد: إذا أراد اللهُ جعلَ طالبِ علمٍ عبرةً في التاريخ: سلَّ لسانه على أكابر العلماء. وهذه صورةٌ من صور حفظ الله لمن حفظ دينه.

البيانتأملوا يرحمكم الله هذه السنة الربانية الجارية التي لا تتبدل ولا تحابي أحداً! كلمتان في سطرٍ واحد، الثانيةُ منهما أثقلُ وأعمق من الأولى. فالأولى إخبارٌ مرعب عن عاقبة الغلو: (سل اللسان ليكون عبرة ومثلة)، والثانيةُ تعليلٌ رباني يكشف الحكمة الكبرى: (أن هذا من حفظ الله لمن حفظ دينه).

وهنا يتجلى الفقه العميق: فليست المسألةُ عندنا مجرد تعصبٍ شخصي، أو انتصارٍ لرجالٍ ماتوا وصاروا تحت التراب لا ينفعهم مدح ولا يضرهم قدح! بل القضية العظمى هي "حراسةُ الميراث النبوي". إذ لو سلِمت أعراضُ الأئمة الكبار والأعلام لمن شاء أن يمزقها؛ لسقطت هيبتهم، ولانهارت الثقةُ بمن نقلوا الشريعة إلينا، ولضاع الدينُ بضياع أوعيته التي حملته! فإذا امتدت يد الغالي لتثقب "وعاء الدين" بحجة تصفية العقيدة، قصم الله ظهره، وسلّط عليه لسانه ليفضحه، حفظاً لمن حفظ دينه.

ثم تأمّلوا الدقة البالغة في قوله: «طالب علم»؛ لم يقل جاهلاً ولا عامّيّاً! لأن العامي تشغله دنياه ومعاشه، ولكن الخطر العظيم إنما يقع على شابٍّ حَصَّل "طرفاً" من العلم، وحفظ بضعة نصوصٍ ومصطلحاتٍ في الجرح والتبديع؛ فأغراه هذا الفتات، ونفخ فيه شيطان الكبر، ودفعه للتصدّر والحكم على الأئمة.. قبل أن يبلغ من "الورع" و"التقوى" ما يمسك به لسانه عن لحوم العلماء المسمومة! فالعلم إذا تجرد من الورع، صار آلةً لدمار صاحبه.

فيا أيها المتعالم الذي سلق أئمة الإسلام بلسانٍ حداد: لا تظن أن تجرؤك على أكابر الأمة وحفاظها هو شجاعةٌ منك، أو غيرةٌ على العقيدة كما يوسوس لك شيطانك! بل هو استدراجٌ من الله لك، وعقوبةٌ خفية، ليجعلك "عبرةً ومسخرةً في التاريخ" كما سقط من قبلك!

فوالله ما سللت لسانك سيفاً تنصر به السنة كما تتوهم، بل سللته خنجراً تنحر به دينك، وتهدم به آخرتك، لتكون قرباناً لحفظ الله لأوليائه.