ابن عثيمين عمَّن يبدِّع النووي وابن حجر: «أقلُّوا عليهم من اللوم أو سدُّوا المكانَ الذي سدُّوا»
قال العلّامة محمد بن صالح العثيمين: فهذان الرجلان بالذات ما أعلم اليوم أن أحدًا قدَّم للإسلام في باب أحاديث الرسول مثلما قدَّماه، ويدلك على أن الله سبحانه وتعالى بحوله وقوته - ولا أتألَّى على الله - قد قبلها، ما كان لمؤلفاتهما من القبول لدى الناس؛ لدى طلبة العلم، بل حتى عند العامة. فالآن كتاب رياض الصالحين يُقرأ في كل مجلس، ويُقرأ في كل مسجد، وينتفع الناس به انتفاعًا عظيمًا، وأتمنى أن يجعل الله لي كتابًا مثل هذا الكتاب، كلٌّ ينتفع به في بيته وفي مسجده. فكيف يُقالُ عن هذين: إنهما مبتدعان ضالان، لا يجوز الترحم عليهما، ولا يجوز القراءة في كتبهما، ويجب إحراق فتح الباري وشرح صحيح مسلم؟! سبحان الله! فإني أقول لهؤلاء بلسان الحال وبلسان المقال: أقلُّوا عليهم لا أبا لأبيكمُ من اللوم أو سدُّوا المكان الذي سدُّوا. من كان يستطيع أن يقدّم للإسلام والمسلمين مثلما قدّم هذان الرجلان، إلا أن يشاء الله. فأنا أقول: غفر الله للنووي، ولابن حجر العسقلاني، ولمن كان على شاكلتهما ممن نفع الله بهم الإسلام والمسلمين، وأمِّنوا على ذلك.
البيانمرافعةٌ سلفيةٌ قاطعة، من إمامٍ راسخ، تكشف المآلات الفاسدة للغلو، وتضع المبتلين بالطعن في الأكابر أمام حجمهم الحقيقي!
في هذا النص، ينتقل الإمام ابن عثيمين من التقرير النظري لقواعد العذر، إلى محاكمةٍ عملية لمنهج الحدادية، كاشفاً أن اللوازم الحتمية لهذا المنهج هي تدمير تراث الأمة، والدعوة لإحراق أعظم مراجع السنة كـ (فتح الباري) و(شرح مسلم).
وأول حججه الساطعة: استدلاله بـ (القَبول العام). فانتشار كتابٍ كـ (رياض الصالحين) في كل مسجد وبيت، ليس مجرد صدفة؛ بل يقرأه العالِم الراسخ كعلامةٍ على أن الله قَبِل عملهما وتجاوز عن خطئهما. فالغالي يسعى لإسقاطهما، وابن عثيمين يرى علامات توفيق الله لهما، حتى إنه يتمنى أن يُرزق كتاباً نافعاً ككتبهما!
ثم يوجه الإمام تحدياً صريحاً للغلاة ببيت الشعر: «أقِلُّوا عليهم... أو سُدّوا المكان الذي سدّوا». وهذا هو المحك الذي يكشف حقيقة المدعين؛ فالذي يتصدر للتبديع اليوم لم يقدم للإسلام عُشر معشار ما قدمه هؤلاء الأئمة، بل غاية طموحه هدم ما بناه غيره. فجاءه التحدي واضحاً: كفّ لومك وطعنك، أو قدّم للإسلام والمسلمين مثل ما قدموا!
ثم يختم الإمام بدرسٍ عملي؛ فلم يكتفِ بنفي البدعة عنهما، بل رفع يديه يطلب لهما المغفرة هما (ومن كان على شاكلتهما)، وطلب من تلامذته (التأمين) على هذا الدعاء، ليقرر أن هذا هو الموقف السلفي الصحيح: إثبات الخطأ، وحفظ المقام، والدعاء بالمغفرة.
فيا أيها المتسرع في تبديع الأئمة؛ أنت تسعى لإسقاطهم بلسانك، والله ينشر علمهم في بيوته ويتقبل نفعهم! فهل تظن أن طعنك سيغلب قَبول الله لهم؟!
اتق الله، واعرف قدرك وقدرهم، وسُدّ مسداً ينفع الإسلام أو كُفّ أذاك عن علمائه. واعلم أنك بمنعك العذر والترحم عنهم اليوم، إنما تغلق على نفسك باب العذر غداً.
