الْأَلْبَانِيّ: عُذْرُ أَبِي حَنِيفَةَ مَقْبُولٌ قَطْعًا، وَالطَّعْنُ فِيهِ صَنِيعُ الْجَهَلَة
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْأَلْبَانِيّ: فَإِذَا كَانَ هَذَا عُذْرَ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا وَقَعَ مِنْهُ مَعَ الْمُخَالَفَةِ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ دُونَ قَصْدٍ، وَهُوَ عُذْرٌ مَقْبُولٌ قَطْعًا لِأَنَّ اللَّهَ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا، فَلَا يَجُوزُ الطَّعْنُ فِيهِ كَمَا قَدْ يَفْعَلُ بَعْضُ الْجَهَلَةِ، بَلْ يَجِبُ التَّأَدُّبُ مَعَهُ؛ لِأَنَّهُ إِمَامٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ بِهِمْ حُفِظَ هَذَا الدِّينُ وَوَصَلَ إِلَيْنَا مَا وَصَلَ مِنْ فُرُوعِهِ، وَأَنَّهُ مَأْجُورٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، أَصَابَ أَمْ أَخْطَأ.
البيانشَهَادَةٌ قَاصِمَةٌ مِنْ (مُحَدِّثِ الْعَصْرِ)، تُسْقِطُ رَايَةَ الْحَدَّادِيَّةِ، وَتَجْعَلُ الْأَدَبَ مَعَ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ (فَرِيضَةً شَرْعِيَّةً) لَا خِيَارًا ذَوْقِيًّا!
إِنَّ أَعْظَمَ مَا يَصْفَعُ الْغُلَاةَ فِي هَذَا النَّصِّ هُوَ هُوِيَّةُ قَائِلِهِ؛ فَقَدْ قَالَهُ أَعْلَمُ أَهْلِ زَمَانِهِ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَالضَّعِيفِ، وَأَشَدُّهُمْ نَكِيرًا عَلَى مَنْ خَالَفَ السُّنَّة! فَلَوْ كَانَ الطَّعْنُ فِي أَبِي حَنِيفَةَ أَوْ إِسْقَاطُهُ مَنْهَجًا سَلَفِيًّا صَحِيحًا؛ لَكَانَ الْأَلْبَانِيُّ أَوْلَى النَّاسِ بِهِ، وَلَكِنَّهُ بَدَلًا مِنْ ذَلِكَ، حَرَّمَهُ وَشَنَّعَ عَلَى فَاعِلِه!
وَتَأَمَّلْ كَيْفَ حَشَدَ الْإِمَامُ الْأَلْبَانِيُّ فِي هَذَا النَّصِّ الْقَصِيرِ أَرْبَعَةَ أَحْكَامٍ قَطْعِيَّةٍ تَسْحَقُ مَنْهَجَ الطَّعْنِ مِنْ جُذُورِه:
1. (الْقَطْعُ بِقَبُولِ الْعُذْر): حَيْثُ قَالَ: «عُذْرٌ مَقْبُولٌ قَطْعًا»؛ فَقَطَعَ الشَّكَّ وَلَمْ يَتَرَدَّدْ.
2. (التَّحْرِيمُ الْقَاطِع): حَيْثُ صَرَّحَ: «لَا يَجُوزُ الطَّعْنُ فِيه».
3. (تَصْنِيفُ الطَّعَّان): حَيْثُ سَمَّى الْفَاعِلِينَ بِاسْمِهِمُ اللَّائِقِ بِهِمْ فَقَالَ: «كَمَا قَدْ يَفْعَلُ بَعْضُ (الْجَهَلَةِ)»! فَالْحَدَّادِيُّ الَّذِي يَنْفُشُ رِيشَهُ وَيَظُنُّ نَفْسَهُ "مُحَقِّقًا لِلسُّنَّةِ"؛ هُوَ فِي مِيزَانِ الْأَلْبَانِيِّ مَحْضُ "جَاهِل".
4. (إِيجَابُ الْأَدَب): حَيْثُ قَالَ: «بَلْ يَجِبُ التَّأَدُّبُ مَعَه».
ثُمَّ انْظُرْ كَيْفَ أَقَامَ الْإِمَامُ هَذَا الْإِعْذَارَ عَلَى عِلَّةٍ لَا تُرَدُّ؛ وَهِيَ قَوْلُهُ: «لِأَنَّ اللَّهَ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا». فَرَدَّ الْأَمْرَ إِلَى أَصْلٍ مُحْكَمٍ، لَا إِلَى عَاطِفَةٍ أَوْ مُجَامَلَة. ثُمَّ بَلَغَ فِي الْإِعْذَارِ أَقْصَاهُ وَمُنْتَهَاهُ حِينَ أَطْلَقَ رَصَاصَةَ الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ عَلَى مَنْهَجِ الْغُلَاةِ قَائِلًا: «وَأَنَّهُ مَأْجُورٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ». فَالْغَالِي يَبْحَثُ فِي بُطُونِ الْكُتُبِ لِيُثْبِتَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ (مُبْتَدِعٌ ضَالٌّ يَجِبُ إِسْقَاطُهُ)، وَالْأَلْبَانِيُّ يُقَرِّرُ بِنَصِّ الْحَدِيثِ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ (مَأْجُورٌ وَمُثَابٌ مِنَ اللَّهِ) حَتَّى فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي خَالَفَ فِيهَا الْحَدِيث! فَكَيْفَ تَجْتَرِئُ فَتَطْعَنُ فِي رَجُلٍ يُثِيبُهُ اللَّه؟!
فَيَا أَيُّهَا (الْجَاهِلُ) الْمُتَطَاوِلُ عَلَى فَقِيهِ الْمِلَّةِ -كَمَا سَمَّاكَ الْأَلْبَانِيُّ-؛ أَيْنَ تَذْهَبُ مِنْ هَذَا الْمِيزَان؟! أَنْتَ تَذُمُّ وَتَهْجُرُ رَجُلًا أَخْطَأَ فِي اجْتِهَادِهِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يُثْبِتُهُ عَلَى اجْتِهَادِهِ وَيُؤَجِّرُهُ! فَهَلْ أَنْتَ أَغْيَرُ عَلَى السُّنَّةِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَمِنْ شُرَّاحِ حَدِيثِه؟!
اتَّقِ اللَّهَ، وَتَأَدَّبْ مَعَ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا (أَوْجَبَ) الْأَلْبَانِيُّ، وَاعْلَمْ أَنَّكَ بِمَنْعِكَ الْعُذْرَ عَنْهُمُ الْيَوْمَ، إِنَّمَا تُغْلِقُ عَلَى نَفْسِكَ بَابَ الْعُذْرِ وَالْمَغْفِرَةِ غَدًا، حِينَ تَقِفُ بَيْنَ يَدَيْ دَيَّانِ السَّمَاوَات.
