الألباني: لا عصمةَ بعد رسول الله، ولا غرابةَ أن يخطئ إمامُ حقٍّ في مسائل
قال العلّامة المحدّث محمد ناصر الدين الألباني: إذا كنا متذكرين جميعًا أن كل بني آدم خطاء، وأن خير الخطائين التوابون، وأن العصمة ليست لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا غرابة في أن يخطئ من كان إمامًا في دعوة الحق؛ فإذا أخطأ في مسألة أو أخرى، في مسألتين أو ثلاث أو أكثر، فذلك لا يخرجه عن دعوة الحق إذا تبنّاها. فالحافظ ابن حجر كالإمام النووي وغيره ممن أخطؤوا في بعض المسائل العقدية، كما يقولون اليوم، فذلك لا يخرجهم عن كونهم من أهل السنة والجماعة؛ لأن العبرة بما يغلب على الإنسان من فكر صحيح أو عمل صالح.
البيانقاعدةٌ سلفية ذهبيةٌ تكسر عمود الخيمة الحدادية، وتعيد الموازين إلى نصابها الأصيل!
في هذا النص النفيس، يضع الإمام الألباني يده على (الميزان) الذي ضيعه الغلاة، فيقرر قاعدةً تنسف صنيعهم نسفاً: «العبرة بما يغلب». فالحكم على الرّجل في دين الله يكون بالنظر إلى الغالب من حاله وعلمه، لا بتتبع الشاذّ من قوله وفعله! أما الحدادية فقد قلبوا الميزان الشرعي؛ فيحكمون على العالِم بـ (الشاذ والخطأ)، ويهدرون (الغالب والصواب)، ثم يُسمّون هذا الظلم والعبث: تحقيقاً وغيرة!
وتأمّل كيف سدّ الإمام عليهم باباً يدخلون منه دائماً لتمرير إسقاطهم للعلماء؛ فهم يعتمدون سياسة (التكثير والتهويل)، فيجمعون للإمام عشر زلات، ليوهموك أن كثرتها تقلب الحكم! فجاء الألباني وقطع هذا الوهم قائلاً: «في مسألة أو أخرى، في مسألتين أو ثلاث أو أكثر، فذلك لا يخرجه». فلم يعلّق الإمام الحكم بخروج الرجل من السنة بـ (عدد الزلات) المحصاة، بل علّقه بـ (غلبة الأصل وصحة الفكر).
ثم انظر بعين البصيرة إلى قوله: «كما يقولون اليوم». إنها إشارةُ خبيرٍ، وكلمةُ عارفٍ أدرك أن هذه (الاصطلاحات والإسقاطات) هي موجةٌ محدثة، وأن صناعة (التبديع بالزلات) قد باتت مهنةً رائجة يقتات عليها حدثاء الأسنان في زمانه. فقرر بوضوح قاطع أن النووي وابن حجر -رغم الخطأ- (من أهل السنة والجماعة).
فيا من يجمع زلات الأكابر بالقطارة؛ أنت تجمع أخطاء الأئمة في كُتيبٍ لتخرجهم به من السنة، وتتجاهل عشرات المجلدات التي أفنوا فيها أعمارهم لنصرة السنة وحفظها! فبأي عدلٍ تحكم؟! ولو أن الله عز وجل عاملك بالشاذ من أفعالك وترك غالب حالك؛ لهلكت في أول حسابك!
فاتق الله، وزِن أئمة المسلمين بميزان (الغالب الأعم)، واعلم أنك بمنعك العذر عنهم اليوم، إنما تغلق على نفسك باب العذر غداً، وأن إسقاطك لهم لن ينقص من أقدارهم في السماء.
