رسالة إلى الحدادية · 45 من 89

ابْنُ تَيْمِيَّة: مَنْ كَفَّرَ أَبَا حَنِيفَةَ وَنَحْوَهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ أَحَقُّ بِالتَّكْفِير

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّة: مَنْ كَفَّرَ أَبَا حَنِيفَةَ وَنَحْوَهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَوْقَ الْعَرْشِ فَهُوَ أَحَقُّ بِالتَّكْفِيرِ؛ فَإِنَّ أَئِمَّةَ الْإِسْلَامِ الَّذِينَ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى هِدَايَتِهِمْ وَدِرَايَتِهِمْ وَلَهُمْ فِي الْأُمَّةِ لِسَانُ صِدْقٍ، مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ، كَالْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ... وَمِثْلِ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَمِثْلِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ... مَنْ كَفَّرَهُمْ فَقَدْ خَالَفَ إِجْمَاعَ الْأُمَّةِ وَفَارَقَ دِينَهَا؛ فَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ كُلَّهُمْ يُعَظِّمُونَ هَؤُلَاءِ وَيُحْسِنُونَ الْقَوْلَ فِيهِمْ.

البيانقِفُوا بِنَا عِنْدَ أَثْقَلِ كَلِمَةٍ، وَأَعْظَمِ صَفْعَةٍ عِلْمِيَّةٍ فِي هَذَا الْبَابِ الْمُظْلِمِ، وَالَّتِي لَا يَمْلِكُ الْغُلَاةُ أَمَامَهَا مَخْرَجًا وَلَا مَهْرَبًا!

فَهُنَا يَرْتَقِي شَيْخُ الْإِسْلَامِ -بِحَسْمِهِ وَصَلَابَتِهِ- لِيَقْلِبَ الطَّاوِلَةَ عَلَى الْغُلَاةِ، وَيَرُدَّ السَّهْمَ إِلَى نَحْرِ صَاحِبِه!

فَلَمْ يَقُلْ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِيمَنْ كَفَّرَ أَبَا حَنِيفَةَ: "لَقَدْ أَخْطَأ"، وَلَمْ يَقُلْ: "تَسَرَّعَ وَاجْتَهَد"، بَلْ قَالَ بِحُكْمٍ صَارِمٍ يَهُزُّ الْأَبْدَان: «فَهُوَ أَحَقُّ بِالتَّكْفِيرِ»!

وَلَمْ يَكْتَفِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ بِهَذَا الْقَلْبِ لِلْحُكْمِ، بَلْ أَغْلَقَ الْبَابَ بِالضَّبَّةِ وَالْمِفْتَاحِ حِينَ حَكَى (الْإِجْمَاعَ الْقَطْعِيَّ)، فَقَالَ: «مَنْ كَفَّرَهُمْ فَقَدْ خَالَفَ إِجْمَاعَ الْأُمَّةِ وَفَارَقَ دِينَهَا».

فَانْظُرْ كَيْفَ جَعَلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ قَضِيَّةَ تَوْقِيرِ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ وَحِفْظَ مَقَامَاتِهِمْ (أَصْلًا مِنْ أُصُولِ الْإِجْمَاعِ السَّلَفِيِّ)، لَا مَسْأَلَةً اجْتِهَادِيَّةً قَابِلَةً لِلْعَبَثِ وَالتَّنْقِيرِ، فَسَدَّ الْبَابَ فِي وَجْهِ كُلِّ طَعَّانٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة.

وَتَتَجَلَّى قُوَّةُ هَذِهِ الْحُجَّةِ الْبَالِغَةِ؛ حِينَ نَعْلَمُ أَنَّ ابْنَ تَيْمِيَّةَ قَرَّرَ هَذَا الْحُكْمَ الصَّارِمَ فِي رِسَالَةٍ عِلْمِيَّةٍ خُصِّصَتْ لِتَقْرِيرِ وَإِثْبَاتِ عَقِيدَةِ (عُلُوِّ اللَّهِ عَلَى عَرْشِهِ)، لَا فِي مَقَامِ تَسَاهُلٍ أَوْ مُجَامَلَة.

فَهُوَ يَنْتَصِرُ لِلْعَقِيدَةِ السَّلَفِيَّةِ الصَّافِيَةِ، وَفِي ذَاتِ الْمَوْضِعِ وَالْمَقَامِ، يُحَرِّمُ اسْتِبَاحَةَ أَعْرَاضِ الْأَئِمَّةِ كَأَبِي حَنِيفَة!

وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَسْقُطُ الزَّعْمُ الْخَبِيثُ الَّذِي يُرَوِّجُهُ الْحَدَّادِيَّةُ؛ حِينَ يُوهِمُونَ أَتْبَاعَهُمْ أَنَّ الْمُسْلِمَ مُضْطَرٌّ لِلِاخْتِيَارِ بَيْنَ أَمْرَيْنِ: إِمَّا نُصْرَةُ الْعَقِيدَةِ (بِالطَّعْنِ فِي الْأَئِمَّةِ وَتَضْلِيلِهِمْ)، أَوْ حِفْظُ حُرْمَةِ الْأَئِمَّةِ (بِتَمْيِيعِ الْعَقِيدَةِ)! فَجَاءَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ لِيُثْبِتَ أَنَّ كَمَالَ نُصْرَةِ الْعَقِيدَةِ لَا يَتَحَقَّقُ أَصْلًا إِلَّا بِتَمَامِ تَوْقِيرِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَام.

فَيَا أَيُّهَا الْمُتَجَرِّئُ الَّذِي اسْتَسْهَلَ الطَّعْنَ فِي الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ وَتَضْلِيلَهُ: اعْرِضْ هَذَا الْحُكْمَ عَلَى نَفْسِك! هَذَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ الَّذِي تَرْفَعُ اسْمَهُ فِي كُلِّ مَجْلِسٍ، وَتَتَتَرَّسُ بِنُقُولَاتِهِ، يَحْكُمُ نَصًّا بِأَنَّ صَنِيعَكَ هَذَا "مُخَالَفَةٌ لِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ وَمُفَارَقَةٌ لِدِينِهَا".. فَمَاذَا أَنْتَ قَائِل؟!

إِنْ سَلَّمْتَ بِحُكْمِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَرَضِيتَ بِهِ؛ فَقَدْ سَقَطَ مَنْهَجُكَ الْإِسْقَاطِيُّ الَّذِي بَنَيْتَهُ وَتَهَاوَى مِنْ قَوَاعِدِه!

وَإِنْ كَابَرْتَ وَرَدَدْتَ كَلَامَهُ؛ فَقَدْ رَدَدْتَ عَلَى إِمَامِكَ الَّذِي تَحْتَجُّ بِهِ، وَهَدَمْتَ مَرْجِعِيَّتَكَ بِيَدِك.

فَاخْتَرْ لِنَفْسِكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِجْمَاعَ الَّذِي نَقَلَهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ لَا يَرْحَمُ مَنْ شَذَّ عَنْه.