رسالة إلى الحدادية · 46 من 89

ابْنُ تَيْمِيَّة: مَنْ ظَنَّ بِالْأَئِمَّةِ تَعَمُّدَ مُخَالَفَةِ الْحَدِيثِ فَقَدْ تَكَلَّمَ بِظَنٍّ أَوْ هَوَى

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّة: وَمَنْ ظَنَّ بِأَبِي حَنِيفَةَ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُمْ يَتَعَمَّدُونَ مُخَالَفَةَ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ لِقِيَاسٍ أَوْ غَيْرِهِ فَقَدْ أَخْطَأَ عَلَيْهِمْ، وَتَكَلَّمَ إِمَّا بِظَنٍّ وَإِمَّا بِهَوًى؛ فَهَذَا أَبُو حَنِيفَةَ يَعْمَلُ بِحَدِيثِ التَّوَضُّؤِ بِالنَّبِيذِ فِي السَّفَرِ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِلْقِيَاسِ، وَبِحَدِيثِ الْقَهْقَهَةِ فِي الصَّلَاةِ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِلْقِيَاسِ، لِاعْتِقَادِهِ صِحَّتَهُمَا وَإِنْ كَانَ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ لَمْ يُصَحِّحُوهُمَا.

البيانحُجَّةٌ عَقْلِيَّةٌ وَنَقْلِيَّةٌ بَالِغَةٌ، تَنْفُذُ إِلَى النَّوَايَا وَالْمَقَاصِدِ، وَتَفْضَحُ أَدْعِيَاءَ نُصْرَةِ الْأَثَر!

حَصَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ حَالَ الطَّاعِنِ الْمُفْتَرِي فِي قِسْمَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا، فَقَال: «إِمَّا بِظَنٍّ وَإِمَّا بِهَوًى». فَلْيَخْتَرِ الطَّاعِنُ أَيَّ الْقِسْمَيْنِ شَاءَ، فَلَيْسَ لَهُ مَخْرَجٌ ثَالِثٌ يَدَّعِي فِيهِ أَنَّهُ يَطْعَنُ (اتِّبَاعًا لِلدَّلِيلِ) أَوْ (غَيْرَةً عَلَى السُّنَّة).

ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ بِالتَّقْرِيرِ النَّظَرِيِّ، بَلْ سَاقَ الْبُرْهَانَ الْعَمَلِيَّ السَّاطِع: إِمَامٌ يُتَّهَمُ بِأَنَّهُ يُقَدِّمُ "الْقِيَاسَ وَالرَّأْيَ" عَلَى "الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ".. فَإِذَا بِهِ يَتْرُكُ الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ الصَّرِيحَ فِي مَسْأَلَتَيْنِ، اسْتِجَابَةً لِحَدِيثَيْنِ ضَعِيفَيْنِ (لِاعْتِقَادِهِ هُوَ صِحَّتَهُمَا)، فِي حِينِ أَنَّ أَئِمَّةَ الْحَدِيثِ أَنْفُسَهُمْ لَمْ يُصَحِّحُوهُمَا!

فَبِاللَّهِ عَلَيْكُمْ؛ أَيُّ مُتَّهَمٍ بِتَقْدِيمِ رَأْيِهِ وَهَوَاهُ عَلَى النَّصِّ يَفْعَلُ هَذَا الصَّنِيعَ، وَيَتْرُكُ رَأْيَهُ وَقِيَاسَهُ تَعْظِيمًا لِحَدِيثٍ لَمْ يَثْبُتْ أَصْلًا؟!

وَفِي هَذَا قَاعِدَةٌ ذَهَبِيَّةٌ تَنْفَعُكَ فِي كُلِّ بَاب: أَنَّ الطَّعْنَ فِي نِيَّاتِ الْأَئِمَّةِ وَمَقَاصِدِهِمْ مُجَرَّدُ (دَعْوَى)، وَالدَّعْوَى تَحْتَاجُ إِلَى بُرْهَانٍ، وَالْبُرْهَانُ هُنَا قَدِ انْقَلَبَ عَلَى الْمُدَّعِي وَأَبْطَلَ فِرْيَتَهُ مِنْ أَسَاسِهَا.

وَلْتَعْلَمْ أَنَّ شَيْخَ الْإِسْلَامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ قَدْ أَفْرَدَ لِهَذَا التَّأْصِيلِ الْعَظِيمِ رِسَالَةً بَدِيعَةً أَسْمَاهَا رَفْعُ الْمَلَامِ عَنِ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ، وَهِيَ مُتَوَفِّرَةٌ عَلَى هَذَا الْمَوْقِعِ فِي قِسْمِ الْكُتُبِ.

فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْرِفَ الْفَرْقَ الْجَلِيَّ بَيْنَ الْمَنْهَجِ السَّلَفِيِّ فِي (رَفْعِ الْمَلَامِ)، وَبَيْنَ الْمَنْهَجِ الْحَدَّادِيِّ فِي (جَمْعِ الزَّلَّاتِ).. فَلْيَقْرَأْهَا.

فَيَا أَيُّهَا الْخَائِضُ فِي نَوَايَا الْأَئِمَّةِ؛ لَيْسَ لَكَ فِي طَعْنِكَ مَخْرَجٌ شَرْعِيّ؛ فَإِمَّا أَنَّكَ تَتَّبِعُ (ظَنًّا) كَاذِبًا لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا، أَوْ تَتَّبِعُ (هَوًى) يُرْدِيكَ.

فَاتَّقِ اللَّهَ فِي مَقَاصِدِ الْعُلَمَاءِ، فَإِنَّ سَرَائِرَهُمْ أَطْهَرُ مِنْ أَنْ تُدَنَّسَ بِشُبُهَاتِكَ.