رسالة إلى الحدادية · 47 من 89

ابْنُ تَيْمِيَّة: نُقِلَتْ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ شَنَاعَاتٌ هِيَ كَذِبٌ عَلَيْهِ قَطْعًا

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّة: كَمَا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَإِنْ كَانَ النَّاسُ خَالَفُوهُ فِي أَشْيَاءَ وَأَنْكَرُوهَا عَلَيْهِ، فَلَا يُسْتَرَابُ فِي فِقْهِهِ وَفَهْمِهِ وَعِلْمِهِ، وَقَدْ نَقَلُوا عَنْهُ أَشْيَاءَ يَقْصِدُونَ بِهَا الشَّنَاعَةَ عَلَيْهِ وَهِيَ كَذِبٌ عَلَيْهِ قَطْعًا.

البياننَصٌّ عَبْقَرِيٌّ يُفَكِّكُ عَقْلِيَّةَ الْغُلُوِّ، وَيَفْضَحُ صِنَاعَةَ (التَّشْنِيعِ الْكَاذِبِ) الَّتِي يَعْتَاشُ عَلَيْهَا الْمُبْطِلُون! لَقَدْ جَمَعَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي هَذَا السَّطْرِ ثَلَاثَةَ أُمُورٍ يَظُنُّهَا الْغُلَاةُ مُتَنَاقِضَة: فَقَدْ أَثْبَتَ أَنَّ النَّاسَ خَالَفُوا أَبَا حَنِيفَة، وَأَثْبَتَ أَنَّهُمْ أَنْكَرُوا عَلَيْهِ أَخْطَاءَه، وَمَعَ ذَلِكَ قَرَّرَ بِحَسْمٍ أَنَّهُ (لَا يُسْتَرَابُ فِي فِقْهِهِ وَعِلْمِهِ وَإِمَامَتِه). فَالْمُخَالَفَةُ الْعِلْمِيَّةُ وَالْإِنْكَارُ الْفِقْهِيُّ عِنْدَ السَّلَفِ، لَا يُوجِبَانِ إِسْقَاطَ الرَّجُلِ وَتَبْدِيعَه!

ثُمَّ تَأْتِي الْجُمْلَةُ الْقَاصِمَةُ الَّتِي تُعَرِّي الْحَدَّادِيَّةَ فِي كُلِّ زَمَان: «نَقَلُوا عَنْهُ أَشْيَاءَ يَقْصِدُونَ بِهَا الشَّنَاعَةَ، وَهِيَ كَذِبٌ عَلَيْهِ قَطْعًا». انْظُرْ كَيْفَ حَكَمَ الْإِمَامُ عَلَيْهَا بِالْكَذِبِ، وَأَكَّدَ ذَلِكَ بِكَلِمَةِ (قَطْعًا)، ثُمَّ كَشَفَ الْبَاعِثَ وَهُوَ: (قَصْدُ الشَّنَاعَةِ وَإِسْقَاطُ الْمَقَام)!

وَهَذَا وَاللَّهِ هُوَ عَيْنُ مَا يَجْرِي الْيَوْم؛ إِذْ تُجْمَعُ الْمَرْوِيَّاتُ وَالْقِصَصُ مِنْ بُطُونِ الْكُتُبِ، وَلَا يُسْأَلُ عَنْ صِحَّةِ سَنَدِهَا، وَلَا عَنْ سِيَاقِهَا التَّارِيخِيِّ، وَلَا عَمَّا يُعَارِضُهَا مِنْ نُصُوصٍ أَوْ إِجْمَاعٍ، ثُمَّ تُرَصُّ فِي مَنْشُورٍ أَوْ مَقْطَعِ فِيدْيُو، لِيُقَالَ لِلْعَوَامِّ: انْظُرُوا.. هَذَا مَا قَالَهُ السَّلَف!

فَمَنْ أَرَادَ نَقْلَ شَنَاعَةٍ أَوْ تُهْمَةٍ عَنْ إِمَامٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَجَبَ عَلَيْهِ أَوَّلًا أَنْ يَقِفَ مَوْقِفَ الْمُحَدِّثِ النَّاقِدِ: مَنْ رَوَى هَذَا الْأَثَر؟ وَعَمَّنْ؟ وَهَلْ صَحَّ السَّنَد؟ وَهَلْ فُهِمَ النَّصُّ عَلَى وَجْهِه؟

أَمَّا أَنْ تَدَّعِيَ اتِّبَاعَ (أَهْلِ الْحَدِيثِ)، ثُمَّ تُطَبِّقَ قَوَاعِدَ الْمُحَدِّثِينَ الصَّارِمَةَ فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ، وَتُطَبِّقَ قَوَاعِدَ (الصَّحَافَةِ الصَّفْرَاءِ) فِي تَتَبُّعِ أَعْرَاضِ الْأَئِمَّة.. فَبِئْسَ الْمَنْهَجُ مَنْهَجُك!

فَإِنْ أَعْرَضْتَ عَنِ التَّثَبُّتِ ثُمَّ تَكَلَّمْتَ لِتُشَنِّعَ، فَقَدْ دَخَلْتَ نَصًّا فِي وَصْفِ الْمُرْجِفِينَ الَّذِي قَرَّرَهُ ابْنُ تَيْمِيَّة.

فَيَا أَيُّهَا الْخَائِضُ فِي النَّقْلِ؛ لَا تَكُنْ حَاطِبَ لَيْلٍ، يَجْمَعُ مِنَ الْأَقْوَالِ مَا يُوَافِقُ هَوَاهُ بِغَيْرِ تَمْحِيصٍ وَلَا تَثَبُّتٍ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ الْمُشَنِّعَ يُسْقِطُ دِينَكَ وَمُرُوءَتَكَ، وَلَا يَضُرُّ الْإِمَامَ الَّذِي فِي قَبْرِه.

فَاتَّقِ اللَّهَ فِيمَا تَنْقُلُ، فَإِنَّ دِيوَانَ أَعْرَاضِ الْمُسْلِمِينَ لَا يُكْتَبُ بِالظُّنُونِ، وَاللَّهُ سَائِلُكَ عَنْ كُلِّ حَرْفٍ طَعَنْتَ بِهِ فِي مَقَامَاتِ أَوْلِيَائِه.