ابْنُ تَيْمِيَّة: تَسْلِيطُ الْجُهَّالِ عَلَى تَكْفِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَعْظَمِ الْمُنْكَرَاتِ، وَأَصْلُهُ مَذْهَبُ الْخَوَارِج
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّة: فَإِنَّ تَسْلِيطَ الْجُهَّالِ عَلَى تَكْفِيرِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَعْظَمِ الْمُنْكَرَاتِ، وَإِنَّمَا أَصْلُ هَذَا مِنَ الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ الَّذِينَ يُكَفِّرُونَ أَئِمَّةَ الْمُسْلِمِينَ لِمَا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ أَخْطَؤُوا فِيهِ مِنَ الدِّين. وَقَدِ اتَّفَقَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَلَى أَنَّ عُلَمَاءَ الْمُسْلِمِينَ لَا يَجُوزُ تَكْفِيرُهُمْ بِمُجَرَّدِ الْخَطَأِ الْمَحْض.
البيانهَذِهِ الْوَثِيقَةُ التَّيْمِيَّةُ وَحْدَهَا تَكْفِي لِقَصْمِ ظَهْرِ الْغُلُوّ! وَهِيَ صَادِرَةٌ مِنَ الْإِمَامِ الَّذِي يَتَتَرَّسُ بِهِ الْغُلَاةُ وَيَجْعَلُونَهُ رَايَةً لَهُمْ (أَحْيَانًا)، فَلَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُمْ رَدُّ كَلَامِه.
تَأَمَّلُوا كَيْفَ ضَرَبَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ مَنْهَجَ هَؤُلَاءِ الْغُلَاةِ بِثَلَاثِ قَوَاصِمَ مُتَتَالِيَة:
الْأُولَى: أَنَّهُ سَمَّى صَنِيعَهُمْ هَذَا «مِنْ أَعْظَمِ الْمُنْكَرَاتِ»، وَلَمْ يُسَمِّهِ مُجَرَّدَ غَيْرَةٍ زَائِدَةٍ أَوْ خَطَأً فِي الِاجْتِهَاد!
الثَّانِيَة: أَنَّهُ أَرْجَعَ أَصْلَ مَنْهَجِهِمْ فِي (إِسْقَاطِ وَتَكْفِيرِ الْأَئِمَّةِ لِأَجْلِ زَلَّاتِهِمْ) إِلَى طَوَائِفِ الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ، وَنَفَاهُ تَمَامًا عَنْ مَذْهَبِ السَّلَف!
الثَّالِثَة: أَنَّهُ حَكَى (اتِّفَاقَ أَهْلِ السُّنَّةِ) عَلَى عُذْرِ الْعَالِمِ فِي خَطَئِهِ الْمَحْضِ، فَلَمْ يَجْعَلْ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ رَأْيًا يُنَازَعُ فِيه.
ثُمَّ قِفُوا بِقُلُوبِكُمْ عِنْدَ لَفْظَةٍ مُرْعِبَةٍ اسْتَخْدَمَهَا الْإِمَامُ وَهِيَ: «تَسْلِيطُ الْجُهَّال»! أَلَيْسَ هَذَا اللَّفْظُ الدَّقِيقُ هُوَ التَّشْخِيصَ الْعَمَلِيَّ لِلْحَالِ الَّتِي تَرَاهَا بِعَيْنِكَ الْيَوْمَ؟!
صِبْيَانٌ وَأَحْدَاثُ أَسْنَانٍ، لَمْ يَثْنُوا رُكَبَهُمْ عِنْدَ عَالِمٍ، وَلَمْ يَضْبِطُوا شُرُوطَ الْحُكْمِ وَلَا مَوَانِعَهُ، يُطْلَقُونَ وَيُسَلَّطُونَ عَبْرَ الشَّاشَاتِ وَالْمِنَصَّاتِ عَلَى أَعْرَاضِ أَئِمَّةِ الدُّنْيَا كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالنَّوَوِيِّ؛ لَا لِشَيْءٍ، إِلَّا لِأَنَّهُمْ حَفِظُوا (قَائِمَةَ جَرْحٍ وَتَكْفِيرٍ) لُقِّنُوهَا دُونَ أَنْ يَفْهَمُوا مِنْ أُصُولِهَا حَرْفًا!
لَقَدْ صَارَ (تَسْلِيطُ الْجُهَّالِ) مَشْرُوعًا حَدَّادِيًّا مُتَكَامِلًا لِتَمْزِيقِ الْأُمَّةِ بِاسْمِ السُّنَّة.
فَيَا أَيُّهَا الشَّابُّ الْمَغْرُورُ بِبَعْضِ الْمَحْفُوظَاتِ الْمَبْتُورَةِ؛ احْذَرْ أَنْ تَكُونَ أَدَاةً رَخِيصَةً فِي يَدِ خَوَارِجِ الْعَصْرِ؛ فَإِنَّ تَجَرُّؤَكَ عَلَى تَكْفِيرِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ إِسْقَاطِهِمْ، لَيْسَ شَجَاعَةً مِنْكَ فِي نُصْرَةِ السُّنَّةِ، بَلْ هُوَ انْقِيَادٌ صَرِيحٌ لِمَنْهَجِ الرَّافِضَةِ وَالْخَوَارِجِ بِشَهَادَةِ إِمَامِكَ ابْنِ تَيْمِيَّة.
فَاتَّقِ اللَّهَ فِي لِسَانِكَ، وَلَا تَبِعْ آخِرَتَكَ لِتُرْضِيَ شُيُوخَ الْفِتْنَةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ شَتَائِمَكَ لِوَرَثَةِ الْأَنْبِيَاءِ سَتَكُونُ أَوَّلَ غُرَمَائِكَ بَيْنَ يَدَيِ الدَّيَّان.
