الْعِمْرَانِيُّ الْيَمَنِيّ: اللَّهُ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يَجْعَلَ الْأُمَّةَ تَابِعَةً فِي دِينِهَا لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ النَّار
قَالَ الْإِمَامُ الْعِمْرَانِيّ: وَأَنَا أُشَرِّفُ أَبَا حَنِيفَةَ عَنْ هَذِهِ الْمَقَالَة؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَهُ إِمَامًا لِخَلْقٍ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْأَرْض، وَاللَّهُ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يَجْعَلَ النَّاسَ تَابِعِينَ فِي الدِّينِ لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ النَّار.
البياناسْتِدْلَالٌ بَدِيعٌ يُلَامِسُ شِغَافَ الْقُلُوبِ، وَيَنْطَلِقُ مِنْ تَعْظِيمِ الْحِكْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ قَبْلَ الْخَوْضِ فِي النُّقُولَات!
لَقَدِ ارْتَقَى الْإِمَامُ الْعُمْرَانِيُّ هُنَا فِي مُنَاظَرَةِ خُصُومِهِ وَمُحَاكَمَتِهِمْ إِلَى أَصْلٍ عَظِيمٍ، وَهُوَ: (حُسْنُ الظَّنِّ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلّ).
فَحُجَّتُهُ الْبَالِغَةُ تُقَرِّرُ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ، وَأَحْفَظُ لِدِينِهِ، مِنْ أَنْ يُقِيمَ خَلْقًا لَا يُحْصَوْنَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ، لِيَجْعَلَ إِمَامَهُمْ وَمَتْبُوعَهُمْ فِي الْفِقْهِ وَالدِّينِ رَجُلًا ضَالًّا مِنْ أَهْلِ النَّار!
فَمَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ يَكِلُ دِينَ الْأُمَّةِ لِمُبْتَدِعٍ ضَالٍّ، فَقَدْ أَسَاءَ الظَّنَّ بِرَبِّهِ، وَطَعَنَ بِطَرِيقٍ غَيْرِ مُبَاشِرٍ فِي حِفْظِ اللَّهِ لِدِينِهِ وَرَحْمَتِهِ بِعِبَادِه.
وَهَذَا الِاسْتِدْلَالُ الْعَمِيقُ يَنْسَجِمُ تَمَامًا مَعَ الْقَاعِدَةِ الْكُبْرَى الَّتِي يُقَرِّرُهَا أَهْلُ الْعِلْمِ: أَنَّ (الْأُمَّةَ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَة).
فَالرَّجُلُ الَّذِي أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى تَلَقِّي فِقْهِهِ وَعِلْمِهِ بِالْقَبُولِ، وَأَثْنَتْ عَلَيْهِ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، وَأُلِّفَتْ فِي مَنَاقِبِهِ الْكُتُبُ، وَمُلِئَتْ بِفَضْلِهِ كُتُبُ التَّرَاجِم.. مِنَ الْمُحَالِ شَرْعًا وَعَقْلًا أَنْ يَكُونَ عَالِمَ ضَلَالَةٍ أَوْ إِمَامَ فِتْنَة؛ لِأَنَّ اللَّهَ يَضَعُ الْقَبُولَ لِأَوْلِيَائِهِ، وَلَا يَضَعُ الْقَبُولَ الْعَامَّ الدَّائِمَ فِي الْأَرْضِ لِلْمُبْتَدِعِينَ وَالضَّالِّينَ!
فَيَا أَيُّهَا الْقَارِئُ الْمُنْصِف: اطْرَحْ هَذَا السُّؤَالَ الْوَاضِحَ عَلَى كُلِّ مَنْ يَسْعَى الْيَوْمَ لِإِسْقَاطِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ الْأَعْلَام: هَلْ يُتَصَوَّرُ فِي حِكْمَةِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، أَنْ يُقِيمَ مَلَايِينَ الْمُسْلِمِينَ قُرُونًا مُتَطَاوِلَةً، عَلَى إِمَامَةِ وَكُتُبِ وَفِقْهِ رِجَالٍ هُمْ عِنْدَهُ مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ الضَّالِّينَ أَوْ مِنْ أَهْلِ النَّار؟!
فَإِنْ أَجَابَكَ الْغَالِي بِـ "نَعَمْ"؛ فَقَدْ أَسَاءَ الظَّنَّ بِرَبِّهِ، وَاتَّهَمَ حِفْظَ اللَّهِ لِدِينِهِ، وَنَسَبَ الشَّرِيعَةَ إِلَى الضَّيَاع!
وَإِنْ أَجَابَكَ بِـ "لَا، فَاللَّهُ أَكْرَمُ وَأَرْحَمُ مِنْ ذَلِكَ"؛ فَقَدِ انْقَطَعَتْ حُجَّتُهُ، وَبَطَلَ مَنْهَجُهُ، وَانْتَهَى النِّزَاع.
فَدَعْهُمْ فِي تَنَاقُضِهِمْ، وَتَمَسَّكْ بِمَا اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ حَفِظَ اللَّهُ دِينَهَا بِأَئِمَّةِ الْهُدَى.
