ابن القيم: لو أُهدر كلُّ من أخطأ لفسدت العلومُ وتعطَّلت معالمُها
قال الإمام شمس الدين محمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية: لو كان كلُّ من أخطأ أو غلِط تُرك جملةً وأُهدرت محاسنُه، لفسدت العلومُ والصناعاتُ والحِكَم، وتعطّلت معالمُها.
البيانقاعدةٌ عقلية وشرعية، وإلزامٌ حتميٌ مرعب، يعري منهج الإسقاط ويثبت أنه معول هدمٍ للحياة والدين!
في سطرٍ واحد، صاغ ابن القيم هذا (الإلزام بالنتيجة)؛ وهو من أشد الحجج فتكاً بالغلاة؛ لأنه لا يناقشهم في مسألةٍ جزئية أو خطأ معين، بل يعرض لهم العاقبة الكارثية لمنهجهم!
فلو طُبقت (قاعدة الإسقاط بالخطأ) باطراد، لم يفسد العلم الشرعي فحسب، بل لفسدت كل علوم الأرض وصناعاتها وحِكَمها؛ إذ لا يخلو عالمٌ ولا طبيبٌ ولا صانعٌ من غلطة.
وتأمل الدقة البالغة في قوله: «تُرك جملةً»؛ فالإمام لم يُنكر (ترك الخطأ)، بل أنكر (ترك العالِم ورده بالكلية) لأجل خطئه!
وهذا هو الفارق الجوهري بين المنهج السلفي في (تصحيح المسألة ورد الخطأ)، وبين المنهج الحدادي في (إسقاط صاحبها ومسح تاريخه).
ثم إن قوله: «وأُهدرت محاسنُه» هو التشخيص الأدق والأوجز لصناعة الغلو اليوم!
فهم يطوون حسنات الإمام كلها، ويمحون جهاده وكتبه في نصرة السنة، ولا يرفعون عقيرتهم إلا بموضع زلته!
بل ويزايدون، فيسمون ذِكر محاسن الأئمة (بدعة الموازنات والتمييع)! بينما ابن القيم يقرر أن إهدار المحاسن هو طريق تعطيل الدين وإفساد معالمه.
فاعرض هذه القاعدة الإسقاطية المدمرة على نفسك أولاً قبل أن تسلطها على الأئمة الأعلام: لو أنك طردت هذه القاعدة وطبقتها بصدق؛ فهل سيبقى في بيتك كتابٌ فقهي تقرؤه؟!
هل سيبقى لك شيخٌ تتلقى عنه؟! بل هل ستبقى أنت نفسك بلا إسقاط؟! إن اطراد هذه القاعدة يُفني كل أحد، ويهدم معالم الشريعة؛ وفي فناء الجميع بها، أعظمُ دليلٍ قطعيٍّ على بطلانها ومخالفتها لشرع الله.
فعد إلى عدل الإسلام، واعلم أن تماديك في إهدار محاسن العلماء سيعود عليك بالخيبة، ويورثك حسرةً وندامةً يوم تُنصب موازين القسط.
