رسالة إلى الحدادية · 64 من 89

قاعدةُ القُلَّتين عند ابن القيم: من عظُمت حسناتُه احتُمل له ما لا يُحتمل لغيره

قال الإمام شمس الدين محمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية: ومن قواعد الشرع والحكمة أيضًا أن من كثُرت حسناتُه وعظُمت، وكان له في الإسلام تأثيرٌ ظاهر، فإنه يُحتمل له ما لا يُحتمل لغيره، ويُعفى عنه ما لا يُعفى عن غيره؛ فإن المعصية خبث، والماءُ إذا بلغ قُلَّتين لم يَحمِلِ الخبثَ، بخلاف الماء القليل فإنه يَحمِلُ أدنى خبث.

البيانقاعدةٌ شرعية قاطعة، وقياسٌ فقهي مبهر، يفكك ميزان الحدادية الأعوج ويعيد الأمور إلى نصابها!

أول ما يستوقفك في هذا النص العظيم هو تسمية الإمام له: «من قواعد الشرع والحكمة». فهو لم يجعله مجرد ذوقٍ شخصي أو مجاملة، بل جعله (قاعدة شرعية مطردة).

فمن أراد ردّها فليردّها بما تُرَدُّ به القواعد (أي بالبرهان والدليل)، لا بالصراخ والتشنيع واتهام المخالف بالتمييع!

وأجمل ما في هذا التأصيل هو المثال الفقهي الذي ضربه؛ إذ نقل النزاع بعبقرية من فوضى العواطف إلى انضباط الفقه! فمقدار الماء (القلّتان) يغير حكم النجاسة الواقعة فيه، مع أن النجاسة هي ذاتها في الحالين.

وكذلك (الزلة)؛ فهي زلةٌ وخطأ في الحالين، لكن حكمها إذا وقعت في بحرٍ من الحسنات وميراثٍ من العلم، غير حكمها إذا وقعت في قطرة!

وهنا تنكشف عورة المنهج الحدادي؛ فهم يزنون (الزلة) معزولةً تماماً عن صاحبها وتاريخه؛ فيستوي عندهم عالمٌ كبير زلّ وله في نصرة الإسلام تأثيرٌ ظاهر، ومبتدعٌ زلّ وليس له في الدين سابقة ولا لاحقة!

وهذا والله هو عينُ من يزن (حجم النجاسة) ويغفل تماماً عن النظر في (حجم الماء)!

ولاحظ الدقة السلفية المتناهية؛ فابن القيم لم يقل إن الزلة تنقلب حسنة، بل قال: «يُحْتَمَلُ له ما لا يُحتمل لغيره». فالخطأ باقٍ على وصفه ويُرَدّ، والمتغير الوحيد هو (العفو عن صاحبه) لسابقة فضله. وهذا هو مفرق الطرق بين المنهج السلفي في تصحيح الخطأ، وبين المنهج الحدادي في إسقاط صاحبه.

ثم اقرأ الشطر الأخير فإنه يرتد على الغلاة لا لهم: «بخلاف الماء القليل فإنه يَحمِلُ أدنى خبث». فمن لم يكن له في الإسلام تأثيرٌ ظاهر ولا حسناتٌ عظام؛ فأدنى خبثٍ يفسده ويسقطه!

فقف مع نفسك أيها المتصدر للتبديع؛ الأئمة الأعلام الذين تطعن فيهم هم (البحر المحيط) الذي لا ينجسه الخبث، فانظر إلى رصيدك أنت في الإسلام: أأنت البحر، أم أنت (الماء القليل) الذي أفسدته أدنى نجاسةٍ بظلمك وتطاولك؟!

اتق الله، وتواضع لورثة الأنبياء، واعلم أن التمادي في الجناية على بحور العلم سيعود عليك بالخسران، يوم تجف قطرات مائك القليل.