ابْنُ الْقَيِّم: الْجَلِيلُ الْقَدَمِ فِي الْإِسْلَامِ تَقَعُ مِنْهُ الزَّلَّةُ وَهُوَ فِيهَا مَعْذُورٌ بَلْ مَأْجُور
قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّم: وَمَنْ لَهُ عِلْمٌ بِالشَّرْعِ وَالْوَاقِعِ يَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ الرَّجُلَ الْجَلِيلَ الَّذِي لَهُ فِي الْإِسْلَامِ قَدَمٌ صَالِحٌ وَآثَارٌ حَسَنَةٌ، وَهُوَ مِنَ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ بِمَكَانٍ، قَدْ تَكُونُ مِنْهُ الْهَفْوَةُ وَالزَّلَّةُ، هُوَ فِيهَا مَعْذُورٌ بَلْ وَمَأْجُورٌ لِاجْتِهَادِهِ؛ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُتَّبَعَ فِيهَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُهْدَرَ مَكَانَتُهُ وَإِمَامَتُهُ وَمَنْزِلَتُهُ مِنْ قُلُوبِ الْمُسْلِمِين.
البيانوَثِيقَةٌ ذَهَبِيَّةٌ مُحْكَمَةٌ، تَجْمَعُ الْمَجْدَ مِنْ طَرَفَيْهِ، وَتَنْسِفُ خُرَافَةَ (التَّضَادِّ الْمَوْهُومِ) فِي عُقُولِ الْحَدَّادِيَّة!
فَهُنَا يُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ (الْجَمْعَ السَّلَفِيَّ) الَّذِي يَزْعُمُ الْغُلَاةُ أَنَّهُ مُسْتَحِيلٌ؛ فَصَاغَهُ فِي سَطْرٍ وَاحِدٍ وَبِنَفَسٍ وَاحِدٍ: «فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُتَّبَعَ فِيهَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُهْدَرَ مَكَانَتُه». نَهْيَانِ مُتَقَابِلَانِ، وَكِلَاهُمَا جَازِمٌ حَاسِم!
فَالنَّهْيُ الْأَوَّلُ (فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُتَّبَعَ فِيهَا) يَقْطَعُ دَابِرَ دَعْوَى التَّمْيِيعِ؛ فَلَا مُدَاهَنَةَ فِي الْحَقِّ، وَلَا مُتَابَعَةَ عَلَى الزَّلَّة. وَالنَّهْيُ الثَّانِي (وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُهْدَرَ مَكَانَتُهُ) يَقْطَعُ دَابِرَ دَعْوَى الْإِسْقَاطِ وَالْحَدَّادِيَّةِ؛ فَلَا طَعْنَ فِي الْإِمَامِ الْمُخْطِئِ وَلَا مَسْحَ لِتَارِيخِه. فَمَنْ أَخَذَ بِأَحَدِهِمَا وَتَرَكَ الْآخَرَ، فَقَدْ أَخَذَ نِصْفَ الْحَقِّ، وَشَوَّهَ النِّصْفَ الْآخَر.
ثُمَّ تَأَمَّلْ تَدَرُّجَ الْإِمَامِ الْمُذْهِلَ فِي بَيَانِ حَقِّ الْمُخْطِئِ: «مَعْذُورٌ، بَلْ وَمَأْجُورٌ لِاجْتِهَادِه». فَلَمْ يَقِفْ عِنْدَ حُدُودِ (رَفْعِ الْإِثْمِ وَالْعَتْبِ) عَنْهُ، بَلْ تَرَقَّى لِيُثْبِتَ لَهُ (الْأَجْر)!
وَهَذَا هُوَ الْفِقْهُ الْمَحْضُ لِحَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمُجْتَهِدِ الْمُخْطِئ. فَبَيْنَمَا يُشَنِّعُ الْغَالِي عَلَى الْإِمَامِ الْمُخْطِئِ وَيُسْقِطُه.. يَكُونُ الْعَالِمُ فِي ذَاتِ اللَّحْظَةِ مَعْذُورًا مَأْجُورًا عِنْدَ رَبِّه!
وَلَعَلَّ أَنْفَسَ مَا فِي هَذَا النَّصِّ هُوَ قَوْلُهُ: «وَمَنْزِلَتُهُ مِنْ قُلُوبِ الْمُسْلِمِين»!
وَهُنَا يُكْشَفُ السِّرُّ الْخَطِير.. فَحَرْبُ الْغُلَاةِ لَيْسَتْ حَرْبًا عَلَى الْأَوْرَاقِ وَالْمُصَنَّفَاتِ، بَلْ هِيَ حَرْبٌ ضَرُوسٌ عَلَى (الْقُلُوب)! إِنَّهُمْ يَهْدِفُونَ بِمَشْرُوعِهِمُ الْإِسْقَاطِيِّ إِلَى انْتِزَاعِ "هَيْبَةِ حَمَلَةِ الشَّرِيعَةِ" مِنْ قَلْبِ الشَّابِّ الْمُسْلِمِ؛ فَإِذَا سَقَطَ الْأَئِمَّةُ مِنْ قَلْبِهِ، سَقَطَ الدِّينُ الَّذِي يَحْمِلُونَهُ وَسَهُلَ التَّلَاعُبُ بِهِ، وَهَذَا هُوَ الْهَدْمُ الْخَبِيثُ الَّذِي لَا يُبْنَى بَعْدَهُ حَقّ.
فَاحْذَرْ أَيُّهَا الشَّابُّ مِنْ قُطَّاعِ الطُّرُقِ؛ الَّذِينَ يَسْعَوْنَ لِتَفْرِيغِ قَلْبِكَ مِنْ إِجْلَالِ أَئِمَّةِ الْهُدَى وَمَصَابِيحِ الدُّجَى. فَوَاللَّهِ إِنَّ بَقَاءَ مَنْزِلَتِهِمْ فِي قَلْبِكَ، هُوَ بَقَاءٌ لِتَعْظِيمِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي نَقَلُوهَا إِلَيْك.
وَأَمَّا أَنْتَ أَيُّهَا الطَّاعِنُ؛ فَاتَّقِ اللَّهَ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَسَاعِيَكَ فِي إِهْدَارِ مَنْزِلَةِ الْأَئِمَّةِ مِنْ قُلُوبِ الْعِبَادِ سَتَعُودُ عَلَيْكَ بِالْخِذْلَانِ، وَلَنْ تُسْقِطَ عَالِمًا رَفَعَهُ اللَّهُ، بَلْ سَتُورِدُكَ الْمَهَالِكَ، وَتُثْقِلُ مِيزَانَكَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِر.
