رسالة إلى الحدادية · 66 من 89

الذَّهَبِيُّ عَنِ النَّوَوِيّ: «الْإِمَامُ الْحَافِظُ الْقُدْوَةُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ مُفْتِي الْأُمَّة»

قَالَ الْحَافِظُ الذَّهَبِيّ: النَّوَاوِيّ: الْإِمَامُ، الْحَافِظُ، الْأَوْحَدُ، الْقُدْوَةُ، شَيْخُ الْإِسْلَامِ، عَلَمُ الْأَوْلِيَاءِ، مُحْيِي الدِّينِ أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ شَرَف، صَاحِبُ التَّصَانِيفِ النَّافِعَة. وَهُوَ سَيِّدُ أَهْلِ هَذِهِ الطَّبَقَةِ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُهُ فِي الطَّبَقَةِ الْعِشْرِينَ لِتَقَدُّمِ مَوْتِه. مُفْتِي الْأُمَّةِ، شَيْخُ الْإِسْلَامِ، الْحَافِظُ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ الزَّاهِدُ، أَحَدُ الْأَعْلَام. وَقَدْ نَفَعَ اللَّهُ الْأُمَّةَ بِتَصَانِيفِهِ وَانْتَشَرَتْ فِي الْأَقْطَار. قُلْتُ: وَلَا يَحْتَمِلُ كِتَابُنَا أَكْثَرَ مِمَّا ذَكَرْنَا مِنْ سِيرَةِ هَذَا السَّيِّدِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَكَانَ مَذْهَبُهُ فِي الصِّفَاتِ السَّمْعِيَّةِ السُّكُوتَ وَإِمْرَارَهَا كَمَا جَاءَتْ، وَرُبَّمَا تَأَوَّلَ قَلِيلًا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.

البيانتَزْكِيَةٌ (ذَهَبِيَّةٌ) ثَقِيلَةٌ، تَنْسِفُ مِيزَانَ الْغُلَاةِ الْأَعْوَجَ، وَتَضَعُهُمْ أَمَامَ إِلْزَامٍ تَارِيخِيٍّ لَا فَكَاكَ مِنْه!

لِفَهْمِ قُوَّةِ هَذَا النَّصِّ؛ اقْرَأْ آخِرَهُ قَبْلَ أَوَّلِهِ؛ فَإِنَّ بَيْتَ الْقَصِيدِ فِيهِ هُوَ قَوْلُه: «وَرُبَّمَا تَأَوَّلَ قَلِيلًا فِي شَرْحِ مُسْلِم».

فَالْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ يَعْلَمُ بِوُقُوعِ النَّوَوِيِّ فِي التَّأْوِيلِ، وَقَدْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ فِي نَفْسِ التَّرْجَمَةِ، وَقَيَّدَهُ بِكَلِمَةِ (قَلِيلًا)؛ وَمَعَ عِلْمِهِ التَّامِّ بِهَذَا الْخَطَأِ الْعَقَدِيِّ.. هَلْ أَسْقَطَهُ؟! هَلْ حَذَّرَ مِنْهُ؟! كَلَّا! بَلْ وَقَّرَهُ فِي صَدْرِ التَّرْجَمَةِ بِأَعْظَمِ الْأَلْقَابِ الَّتِي تَغِيظُ الْحَدَّادِيَّةَ، فَسَمَّاهُ: (شَيْخُ الْإِسْلَامِ، وَالْإِمَامُ، وَالْقُدْوَةُ، وَعَلَمُ الْأَوْلِيَاءِ، وَسَيِّدُ طَبَقَتِهِ)!

وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ تَسْقُطُ دَعْوَى الْغُلَاةِ السَّاقِطَةُ: "لَوْ عَرَفْتُمْ تَأْوِيلَاتِ النَّوَوِيِّ لَأَسْقَطْتُمُوهُ كَمَا نُسْقِطُهُ"! فَهَا هُوَ الْإِمَامُ الذَّهَبِيُّ قَدْ عَرَفَهَا، وَأَحْصَاهَا، وَسَبَرَهَا، ثُمَّ خَتَمَ سِيرَتَهُ بِالتَّعْظِيمِ وَالتَّرَحُّم. فَأَيُّهُمَا أَعْلَمُ بِحَالِ النَّوَوِيِّ وَعَقِيدَتِهِ: الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ الَّذِي قَرَأَ كُتُبَهُ وَوَزَنَ عَصْرَهُ، أَمْ حَدَثٌ مَغْرُورٌ قَرَأَ عَنْهُ سَطْرَيْنِ مَبْتُورَيْنِ فِي مَنْشُورٍ بَائِس؟!

ثُمَّ تَأَمَّلْ شَهَادَةَ الذَّهَبِيِّ فِي أَصْلِ مُعْتَقَدِ النَّوَوِيِّ: «وَكَانَ مَذْهَبُهُ فِي الصِّفَاتِ السَّمْعِيَّةِ السُّكُوتَ وَإِمْرَارَهَا». فَهَذِهِ شَهَادَةٌ نَاصِعَةٌ مِنْ إِمَامٍ نَاقِدٍ بِأَنَّ (الْغَالِبَ وَالْأَصْلَ) عِنْدَ النَّوَوِيِّ هُوَ الْإِمْرَارُ، وَأَنَّ (التَّأْوِيلَ) عَارِضٌ قَلِيل. بَيْنَمَا صَنِيعُ الْحَدَّادِيَّةِ هُوَ الِانْتِكَاسُ؛ إِذْ جَعَلُوا (الْقَلِيلَ الْعَارِضَ) أَصْلًا يَنْسِفُونَ بِهِ تَارِيخَ الرَّجُلِ، وَتَجَاهَلُوا (الْأَصْلَ الْغَالِبَ) الَّذِي قَرَّرَهُ الذَّهَبِيّ!

وَهُنَا نَضَعُ الْحَدَّادِيَّةَ فِي زَاوِيَةِ الْإِلْزَامِ الْقَاطِعِ: إِنَّ الْحَافِظَ الذَّهَبِيَّ هُوَ إِمَامُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي "الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ"، وَأَنْتُمْ تَسْتَشْهِدُونَ بِنَقْدِهِ وَصَرَامَتِهِ فِي بَعْضِ الْأَحْيَان! فَإِنْ كَانَ مِيزَانُهُ النَّقْدِيُّ مَقْبُولًا عِنْدَكُمْ.. فَاقْبَلُوا مِيزَانَهُ وَحُكْمَهُ هُنَا فِي حَقِّ النَّوَوِيّ! وَإِلَّا.. فَاعْتَرِفُوا صَرَاحَةً بِأَنَّكُمْ لَا تَتَّبِعُونَ الْعُلَمَاءَ، بَلْ تَتَّخِذُونَهُمْ أَنْدَادًا؛ فَتَنْتَقُونَ مِنْ كَلَامِهِمْ مَا يُوَافِقُ أَهْوَاءَكُمْ، وَتَضْرِبُونَ عُرْضَ الْحَائِطِ بِمَا يُخَالِفُهَا!

فَيَا أَيُّهَا الطَّاعِنُ؛ اتَّهِمْ رَأْيَكَ وَمِيزَانَكَ، وَتَوَاضَعْ أَمَامَ أَئِمَّةِ الشَّأْن. فَوَاللَّهِ إِنَّ الْإِمَامَ الذَّهَبِيَّ أَشَدُّ غَيْرَةً عَلَى الْعَقِيدَةِ السَّلَفِيَّةِ مِنْكَ، وَأَعْلَمُ بِمَرَاتِبِ الرِّجَالِ مِنْك.

فَاحْذَرْ أَنْ تَضْرِبَ إِجْمَاعَ أَئِمَّةِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ بِجَهْلِكَ، فَتَعُودَ بِالْخَيْبَةِ، وَيَكُونَ طَعْنُكَ فِي "عَلَمِ الْأَوْلِيَاءِ" حَسْرَةً وَوَبَالًا عَلَيْكَ يَوْمَ الْحِسَاب.