رسالة إلى الحدادية · 67 من 89

الذهبي عن أبي حنيفة: «الإمامةُ في الفقه ودقائقه مسلَّمةٌ إلى هذا الإمام»

قال الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي: الإمام، فقيه الملة، عالم العراق، أبو حنيفة... وعُني بطلب الآثار، وارتحل في ذلك، وأما الفقه والتدقيق في الرأي وغوامضه فإليه المنتهى، والناس عليه عيال في ذلك. الإمامة في الفقه ودقائقه مسلَّمة إلى هذا الإمام، وهذا أمر لا شك فيه: وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل.

البيانشهادةٌ ساطعةٌ كشمس النهار، من (أمير المؤمنين في الحديث)، تدك حصون الحدادية، وتكشف عوار ميزانهم الانتقائي المريض!

لقد سطر الذهبي -وهو الخبير الناقد العارف بكل ما قيل في حق أبي حنيفة من جرحٍ وتعديل ومقالات أقران- هذه التزكية الباذخة، فسماه: (الإمام، فقيه الملة). وهنا يُطرح الإلزام القاصم: إما أن تقبلوا حكم الذهبي هنا كما تتترسون به وتُعظمونه في مواضع أخرى، وإما أن تعترفوا بأنكم تنتقون من أقوال الأئمة ما يوافق أهواءكم وتردون ما خالفها!

ولأجل هذا المأزق التاريخي، صرنا نرى بعض رؤوس الحدادية اليوم يطعنون في الإمام الذهبي نفسه؛ لأن كلامه الذهبي الموزون قد نسف صنم غلوهم.

ثم تأمل كيف اقتلع الذهبي أشهر فريةٍ يُرمى بها الإمام؛ وهي زعم الغلاة أنه رجلُ "رأي مجرد" لا يَعرِفُ الحديثَ ولا يعظمه!

فقال الذهبي: «وعُني بطلب الآثار وارتحل في ذلك».

وهذه شهادة براءةٍ وحصانة، لا تأتي من فقيهٍ متعصب لمذهبه فالذهبي شافعي المذهب، بل من إمامٍ جهبذ في (علم الحديث والأثر والتراجم) بعينه.

ثم ختم الذهبي ترجمته ببيتٍ شعريٍ يلخص المأساة العقلية لمنتقصي الإمام: وليس يصح في الأذهان شيءٌ *** إذا احتاج النهارُ إلى دليلِ أي إن (إمامة أبي حنيفة) من الوضوح والجلاء كشمس النهار؛ بحيث إن (طلب الدليل) عليها لإثباتها، يُعد قدحاً ومرضاً في عقل طالبه!

فإذا كان مجرد (طلب الدليل) على إمامته سقمٌ في العقل؛ فما ظنك بخبال من لا يطلب الدليل عليها، بل يسعى حثيثاً لنقضها وإسقاطها وإقناع الناس بأن شمس النهار ظلامٌ دامس؟!

فيا أيها المتطاول على قامات الإسلام؛ اقرأ شهادة حُفاظ الأمة في حق فقيه الملة، واتهم عقلك المريض إن رأيت النهار ليلاً!

فوالله إن شمس إمامة أبي حنيفة التي أشرقت في سماء الأمة قروناً، لن يحجبها غربال طعونك، وإن تماديك في إنكار هذا النهار الواضح ومحاربة أئمة الدين لن يضر الشمس في شيء.

بل سيعود عليك بالعمى والخسران يوم تُنصب موازين القسط والإنصاف.