الذَّهَبِيّ: لَوْ بَدَّعْنَا كُلَّ إِمَامٍ أَخْطَأَ فِي اجْتِهَادِهِ لَمَا سَلِمَ مَعَنَا إِمَام
قَالَ الْحَافِظُ الذَّهَبِيّ: وَلَوْ أَنَّا كُلَّمَا أَخْطَأَ إِمَامٌ فِي اجْتِهَادِهِ فِي آحَادِ الْمَسَائِلِ خَطَأً مَغْفُورًا لَهُ قُمْنَا عَلَيْهِ وَبَدَّعْنَاهُ وَهَجَرْنَاهُ، لَمَا سَلِمَ مَعَنَا لَا ابْنُ نَصْرٍ وَلَا ابْنُ مَنْدَةَ وَلَا مَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُمَا. وَاللَّهُ هُوَ هَادِي الْخَلْقِ إِلَى الْحَقّ، وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْهَوَى وَالْفَظَاظَة.
البيانقَاعِدَةٌ ذَهَبِيَّةٌ مُكَرَّرَة، وَإِلْزَامٌ قَاصِم، يَكْشِفُ حَقِيقَةَ الْغُلُوِّ وَيَرُدُّهُ إِلَى أَصْلِهِ الْمُظْلِم: (الْهَوَى وَالْفَظَاظَة)!
يَسُوقُ الْإِمَامُ الذَّهَبِيُّ -وَهُوَ أَمِيرُ الصَّنْعَةِ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ- هَذَا (الْإِلْزَامَ بِالنَّتِيجَةِ) لِيَهْدِمَ بِهِ صَرْحَ الْحَدَّادِيَّة؛ فَلَوْ طَبَّقْنَا قَاعِدَتَكُمْ فِي (التَّبْدِيعِ وَالْهَجْرِ لِكُلِّ زَلَّةٍ)، لَأَفْنَيْنَا الْأُمَّة، وَلَمَا سَلِمَ لَنَا إِمَامٌ قَطّ! وَتَطْبِيقُ قَاعِدَةٍ تُفْنِي أَئِمَّةَ الْأُمَّةِ هُوَ أَعْظَمُ دَلِيلٍ قَطْعِيٍّ عَلَى بُطْلَانِهَا وَمُخَالَفَتِهَا لِشَرْعِ اللَّه.
وَلِكَيْ تُدْرِكَ عَظَمَةَ هَذَا الْأَصْلِ السَّلَفِيّ؛ يَجِبُ أَنْ تَعْرِفَ (السِّيَاقَ) الْمُرْعِبَ الَّذِي قِيلَ فِيه! فَقَدْ سَطَّرَ الذَّهَبِيُّ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ فِي تَرْجَمَةِ الْإِمَامِ (مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ)، بَعْدَ أَنْ نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ بِـ (خَلْقِ الْإِيمَانِ) وَهَجَرَهُ عُلَمَاءُ وَقْتِهِ لِأَجْلِهَا!
فَهَذَا الْعُذْرُ الذَّهَبِيُّ الْعَظِيمُ لَمْ يُسَقْ فِي "هَفْوَةٍ فِقْهِيَّةٍ يَسِيرَةٍ"، بَلْ فِي إِمَامٍ اتُّهِمَ بِأَغْلَظِ مَا يُتَّهَمُ بِهِ فِي أَبْوَابِ الِاعْتِقَاد!
فَإِنْ رَاوَغَ الْحَدَّادِيُّ كَعَادَتِهِ وَقَالَ: (هَذِهِ كَلِمَةٌ عَابِرَةٌ قِيلَتْ فِي سِيَاقٍ خَاصٍّ وَلَا تُمَثِّلُ مَنْهَجَ الذَّهَبِيِّ)! فَاصْفَعْهُ بِالْحَقِيقَةِ الْعِلْمِيَّة: إِنَّ الذَّهَبِيَّ لَمْ يَقُلْهَا مَرَّةً وَاحِدَةً لِتُتَأَوَّلَ، بَلْ كَرَّرَ نَظِيرَهَا فِي تَرْجَمَةِ (الْمَاوَرْدِيِّ)، وَكَرَّرَهَا فِي تَرْجَمَةِ (قَتَادَةَ)، وَكَرَّرَهَا فِي (تَارِيخِ الْإِسْلَامِ) بِلَفْظِ: «لَوْ أَنَّنَا كُلَّمَا أَخْطَأَ إِمَامٌ مُجْتَهِدٌ فِي مَسْأَلَةٍ خَطَأً مَغْفُورًا لَهُ هَجَرْنَاهُ وَبَدَّعْنَاهُ، لَمَا سَلِمَ أَحَدٌ مِنَ الْأَئِمَّة»! فَالْقَاعِدَةُ الَّتِي تُقَرَّرُ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ، وَتُطَبَّقُ عَلَى أَرْبَعَةٍ مِنْ كِبَارِ الرِّجَالِ الْمُتَّهَمِينَ فِي عَقَائِدِهِمْ.. هِيَ (مَنْهَجٌ سَلَفِيٌّ رَاسِخٌ)، وَلَيْسَتْ كَلِمَةً عَابِرَة!
ثُمَّ اسْتَمِعْ لِخِتَامِ الذَّهَبِيِّ حِينَ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى (الدَّاءِ الْفَتَّاكِ) الْمُحَرِّكِ لِلْحَدَّادِيَّةِ قَائِلًا: «فَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْهَوَى وَالْفَظَاظَة». لَقَدْ سَمَّى الدَّاءَ بِاسْمِهِ، فَمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ (الْهَوَى) فِي تَتَبُّعِ الزَّلَّاتِ؛ غَلُظَ طَبْعُهُ وَأُصِيبَ بِـ (الْفَظَاظَةِ)، وَمَنْ غَلُظَ طَبْعُهُ عُمِيَتْ بَصِيرَتُهُ عَنْ إِبْصَارِ مَوَاقِعِ الْعَدْلِ وَالرَّحْمَةِ وَالْإِنْصَاف.
فَاحْذَرْ أَيُّهَا الْخَائِضُ فِي أَعْرَاضِ أَئِمَّةِ الْهُدَى؛ فَإِمَامُ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ يَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ مِنَ (الْهَوَى وَالْفَظَاظَةِ) الَّتِي تَدْفَعُكَ لِتَبْدِيعِ الْعُلَمَاءِ وَهَجْرِهِمْ!
فَهَلْ تَظُنُّ أَنَّ فَظَاظَتَكَ وَقَسْوَتَكَ عَلَى وَرَثَةِ الْأَنْبِيَاءِ هِيَ غَيْرَةٌ مَحْمُودَة؟!
اتَّقِ اللَّهَ، وَلِنْ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَاعْلَمْ أَنَّ التَّمَادِيَ فِي هَذِهِ الْقَسْوَةِ سَيَعُودُ عَلَيْكَ بِالْخُسْرَانِ، يَوْمَ يَقِفُ الْأَئِمَّةُ بَيْنَ يَدَيْ أَرْحَمِ الرَّاحِمِينَ مُتَسَرْبِلِينَ بِأُجُورِ اجْتِهَادِهِمْ، وَتَقِفُ أَنْتَ مُثْقَلًا بِفَظَاظَتِكَ وَظُلْمِكَ.
