رسالة إلى الحدادية · 69 من 89

الذَّهَبِيّ: «لَوْ أَهْدَرْنَا كُلَّ عَالِمٍ زَلَّ لَمَا سَلِمَ مَعَنَا إِلَّا الْقَلِيل، فَلَا تَحُطَّ عَلَى الْعُلَمَاء»

قَالَ الْحَافِظُ الذَّهَبِيّ: وَبِكُلِّ حَالٍ هُوَ - مَعَ بِدْعَةٍ فِيهِ - مِنْ كِبَارِ الْعُلَمَاءِ؛ فَلَوْ أَنَّنَا أَهْدَرْنَا كُلَّ عَالِمٍ زَلَّ لَمَا سَلِمَ مَعَنَا إِلَّا الْقَلِيل. فَلَا تَحُطَّ يَا أَخِي عَلَى الْعُلَمَاءِ مُطْلَقًا، وَلَا تُبَالِغْ فِي تَقْرِيظِهِمْ مُطْلَقًا، وَأَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَتَوَفَّاكَ عَلَى التَّوْحِيد.

البيانوَثِيقَةٌ نَادِرَةٌ مِنْ حَافِظِ الْإِسْلَامِ، تَقْطَعُ دَابِرَ الْإِسْقَاطِ، وَتَرْسُمُ مَنْهَجَ الْعَدْلِ فِي كَلِمَاتٍ وَجِيزَات!

هَذَا النَّصُّ قَالَهُ الذَّهَبِيُّ فِي تَرْجَمَةِ الْإِمَامِ الْمَاوَرْدِيِّ الَّذِي نُسِبَ إِلَى (الِاعْتِزَال)! فَلَمْ يَكْتُمِ الذَّهَبِيُّ تُهْمَتَهُ بَلْ أَثْبَتَهَا قَائِلًا: «مَعَ بِدْعَةٍ فِيه»، ثُمَّ أَتْبَعَهَا فَوْرًا دُونَ فَاصِل: «مِنْ كِبَارِ الْعُلَمَاء». فَهُنَا مَصْرَعُ دَعْوَى الْغُلَاةِ؛ إِذْ يَزْعُمُونَ أَنَّ إِثْبَاتَ الْبِدْعَةِ يَسْتَلْزِمُ حَتْمًا إِسْقَاطَ الْعَالِم! فَهَا هُوَ الذَّهَبِيُّ يُثْبِتُ الْبِدْعَةَ وَلَا يُسْقِطُ صَاحِبَهَا، فَإِنْ كَانَ هَذَا الْجَمْعُ تَمْيِيعًا، فَالذَّهَبِيُّ -وَهُوَ أَمِيرُ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ- أَوَّلُ الْمُمَيِّعِين!

ثُمَّ صَاغَ الْإِمَامُ الْمِيزَانَ السَّلَفِيَّ بِطَرَفَيْهِ: «فَلَا تَحُطّ... وَلَا تُبَالِغ». فَالنَّهْيُ عَنِ الطَّعْنِ وَالْإِسْقَاطِ، لَيْسَ إِقْرَارًا بِالْعِصْمَة. وَالنَّهْيُ عَنِ الْعِصْمَةِ، لَيْسَ إِذْنًا بِالْإِسْقَاط.

وَهَذَا هُوَ الْعَدْلُ الَّذِي ضَاعَ الْيَوْمَ بَيْنَ طَائِفَتَيْن: طَائِفَةٍ تَهْدِمُ، وَطَائِفَةٍ تَعْصِم.

وَلَعَلَّ أَرَقَّ مَا فِي النَّصِّ نِدَاءَه: «يَا أَخِي»، وَخِتَامَهُ بِالدُّعَاءِ: «وَأَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَتَوَفَّاكَ عَلَى التَّوْحِيد». فَصَاحِبُ السُّنَّةِ يَنْصَحُ الشَّابَّ الْمَفْتُونَ بِشَفَقَةِ الْمُعَلِّمِ الَّذِي يَخَافُ عَلَيْهِ مِنَ الْهَلَكَةِ، لَا بِتَشَفِّي الْخَصْمِ وَاسْتِعْلَائِه.

فَيَا أَخِي وَطَالِبَ الْحَقِّ؛ خُذْ بِوَصِيَّةِ إِمَامِ الصَّنْعَة: لَا تَحُطَّ عَلَى الْعُلَمَاءِ فَتَظْلِمَ، وَلَا تُبَالِغْ فِي تَقْدِيسِهِمْ فَتَغْلُو.

وَأَسْأَلُ اللَّهَ الَّذِي قَذَفَ حُبَّ السُّنَّةِ فِي قَلْبِكَ أَنْ يُعِيذَكَ مِنْ قَسْوَةِ الْحَدَّادِيَّةِ، وَأَنْ يَتَوَفَّاكَ عَلَى التَّوْحِيدِ وَالْعَدْلِ السَّلَفِيِّ الصَّافِي.