رسالة إلى الحدادية · 70 من 89

الذَّهَبِيّ: الْكَبِيرُ مِنْ أَئِمَّةِ الْعِلْمِ يُغْفَرُ لَهُ زَلَلُهُ وَلَا نُضَلِّلُهُ وَلَا نَنْسَى مَحَاسِنَه

قَالَ الْحَافِظُ الذَّهَبِيّ: ثُمَّ إِنَّ الْكَبِيرَ مِنْ أَئِمَّةِ الْعِلْمِ إِذَا كَثُرَ صَوَابُه، وَعُلِمَ تَحَرِّيهِ لِلْحَقِّ، وَاتَّسَعَ عِلْمُه، وَظَهَرَ ذَكَاؤُه، وَعُرِفَ صَلَاحُهُ وَوَرَعُهُ وَاتِّبَاعُه: يُغْفَرُ لَهُ زَلَلُه، وَلَا نُضَلِّلُهُ وَنَطْرَحُهُ وَنَنْسَى مَحَاسِنَه. نَعَمْ، وَلَا نَقْتَدِي بِهِ فِي بِدْعَتِهِ وَخَطَئِه، وَنَرْجُو لَهُ التَّوْبَةَ مِنْ ذَلِك.

البياندُسْتُورٌ مُتَكَامِل، يَضْبِطُ الْمِيزَانَ بِسَبْعَةِ شُرُوطٍ مُحْكَمَة، وَيُغْلِقُ الطَّرِيقَ عَلَى الْغُلَاةِ وَالْمُمَيِّعِينَ مَعًا!

هَذَا النَّصُّ مِنْ أَدَقِّ مَا قُرِّرَ فِي هَذَا الْبَاب؛ لِأَنَّهُ لَا يُطْلِقُ الْعُذْرَ كَدَعْوَى مُرْسَلَة، بَلْ يَضْبِطُهُ بِـ (شُرُوطٍ سَبْعَة): كَثْرَةُ الصَّوَاب، وَتَحَرِّي الْحَقّ، وَسَعَةُ الْعِلْم، وَظُهُورُ الذَّكَاء، وَالصَّلَاحُ، وَالْوَرَعُ، وَالِاتِّبَاع. فَمَنِ اكْتَمَلَتْ فِيهِ غُفِرَتْ زَلَّتُه، وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ الْمُطَّرِدُ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ عَمَلُ أَهْلِ السُّنَّة.

وَبِهَذَا التَّقْيِيدِ الذَّهَبِيِّ يَنْكَسِرُ أَشْهَرُ اعْتِرَاضَاتِ الْحَدَّادِيَّةِ حِينَ يَصْرُخُون: "قَاعِدَتُكُمْ فِي الْعُذْرِ تُدْخِلُ كُلَّ مَنْ هَبَّ وَدَبَّ وَتُمَيِّعُ الدِّين!"؛ فَنَقُول: كَلَّا! بَلْ هِيَ لَا تُدْخِلُ إِلَّا مَنْ جَمَعَ هَذِهِ (الْأَوْصَافَ السَّبْعَة)؛ فَهَاتِ رَجُلًا يَعْقِل، يُنَازِعُ فِي أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَالنَّوَوِيَّ وَابْنَ حَجَرٍ وَغَيْرَهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ قَدِ اسْتَكْمَلُوهَا! فَالْعُذْرُ حِكْرٌ عَلَى أَئِمَّةِ الدِّين، وَلَيْسَ رُخْصَةً لِكُلِّ مُتَعَالِم.

ثُمَّ قِفْ عِنْدَ اللَّآلِئِ الثَّلَاثِ الَّتِي نَفَاهَا الذَّهَبِيُّ عَنْ مَنْهَجِه: «وَلَا نُضَلِّلُه، وَنَطْرَحُه، وَنَنْسَى مَحَاسِنَه». (لَا تَضْلِيلَ، وَلَا إِسْقَاطَ، وَلَا نِسْيَانَ لِلْمَحَاسِن)! بَيْنَمَا الْحَدَّادِيَّةُ يَفْعَلُونَ الثَّلَاثَةَ جَمِيعًا فِي حَقِّ الْأَئِمَّة، ثُمَّ يُسَمُّونَ جِنَايَتَهُمْ هَذِهِ (غِيرَةً وَتَحْقِيقًا)!

وَلَا تَدَعِ الشَّطْرَ الْأَخِيرَ فَإِنَّهُ (حَارِسُ الْبَاب): «نَعَمْ، وَلَا نَقْتَدِي بِهِ فِي بِدْعَتِهِ وَخَطَئِه». فَالْخَطَأُ مَرْدُودٌ لَا يُتَابَعُ عَلَيْه، وَالْإِمَامُ مَحْفُوظٌ لَا يُسْقَطُ؛ فَمَنْ أَخَذَ بِرَدِّ الْخَطَأِ وَأَسْقَطَ الْإِمَامَ فَقَدْ جَفَا وَظَلَم، وَمَنْ حَفِظَ الْإِمَامَ وَتَابَعَهُ عَلَى خَطَئِهِ فَقَدْ مَيَّعَ وَضَلّ.

وَلِعِظَمِ هَذَا الدُّسْتُور؛ سَطَّرَهُ الذَّهَبِيُّ فِي تَرْجَمَةِ (قَتَادَة)، وَهُوَ مِنْ أَعْمِدَةِ الْإِسْنَادِ رَغْمَ رَمْيِهِ بِبِدْعَةِ الْقَدَر! بَلْ زَادَ الذَّهَبِيُّ فِي نَفْسِ التَّرْجَمَةِ مُعْتَذِرًا لِقَتَادَة: «وَلَعَلَّ اللَّهَ يَعْذُرُ أَمْثَالَهُ مِمَّنْ تَلَبَّسَ بِبِدْعَةٍ يُرِيدُ بِهَا تَعْظِيمَ الرَّبِّ وَتَنْزِيهَه»؛ فَاعْتَدَّ بِصَلَاحِ الْقَصْد.

فَزِنْ أَيُّهَا الْمُتَصَدِّرُ لِلتَّبْدِيعِ صَنِيعَكَ بِهَذَا الدُّسْتُورِ الذَّهَبِيّ؛ فَإِنَّ أَئِمَّةَ الْإِسْلَامِ قَدِ اسْتَكْمَلُوا الشُّرُوطَ السَّبْعَة، فَبِأَيِّ حَقٍّ تُضَلِّلُهُمْ وَتَطْرَحُهُمْ وَتَنْسَى مَحَاسِنَهُمْ؟!

اتَّقِ اللَّهَ، وَدَعْ عَنْكَ مَسْلَكَ الطَّرْحِ وَالْإِسْقَاطِ، وَاعْلَمْ أَنَّ تَمَادِيَكَ فِي تَضْلِيلِ أَئِمَّةِ الْهُدَى سَيَعُودُ عَلَيْكَ بِالْخِذْلَانِ، وَسَتُسْأَلُ غَدًا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَنْ حَسَنَاتِهِمُ الَّتِي طَوَيْتَهَا، لِتَرْفَعَ بِهَا رَايَةَ غُلُوِّك.