رسالة إلى الحدادية · 62 من 89

ابْنُ الْقَيِّم: اسْتَشْهَدَ اللَّهُ بِأُولِي الْعِلْمِ عَلَى أَجَلِّ مَشْهُودٍ عَلَيْهِ وَهُوَ التَّوْحِيد

قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّم: اسْتَشْهَدَ سُبْحَانَهُ بِأُولِي الْعِلْمِ عَلَى أَجَلِّ مَشْهُودٍ عَلَيْهِ وَهُوَ تَوْحِيدُه، فَقَال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى فَضْلِ الْعِلْمِ وَأَهْلِهِ مِنْ وُجُوه: أَحَدُهَا: اسْتِشْهَادُهُمْ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْبَشَر. وَالثَّانِي: اقْتِرَانُ شَهَادَتِهِمْ بِشَهَادَتِه. وَالثَّالِثُ: اقْتِرَانُهَا بِشَهَادَةِ مَلَائِكَتِه. وَالرَّابِعُ: أَنَّ فِي ضِمْنِ هَذَا تَزْكِيَتَهُمْ وَتَعْدِيلَهُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَشْهِدُ مِنْ خَلْقِهِ إِلَّا الْعُدُول... فَالْأَئِمَّةُ الَّذِينَ اشْتَهَرُوا عِنْدَ الْأُمَّةِ بِنَقْلِ الْعِلْمِ النَّبَوِيِّ وَمِيرَاثِهِ كُلُّهُمْ عُدُولٌ بِتَعْدِيلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، وَلِهَذَا لَا يُقْبَلُ قَدْحُ بَعْضِهِمْ فِي بَعْض.

البيانتَزْكِيَةٌ قُرْآنِيَّةٌ قَاطِعَة، تُغْلِقُ أَوْسَعَ أَبْوَابِ الْفِتْنَة، وَتَعْصِمُ الْأُمَّةَ مِنْ عَبَثِ النَّبَّاشِينَ فِي كَلَامِ الْأَقْرَان!

تَأَمَّلْ كَيْفَ اسْتَنْبَطَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ هَذَا الشَّرَفَ الْعَظِيمَ لِلْأَئِمَّةِ مِنْ قَلْبِ الْقُرْآن؛ فَاللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ لَمْ يَسْتَشْهِدْ عَلَى أَعْظَمِ مَشْهُودٍ بِهِ (وَهُوَ التَّوْحِيدُ) إِلَّا بِالْعُدُول. فَتَعْدِيلُهُمْ وَتَزْكِيَتُهُمْ جَاءَتْ مِنْ جِهَةِ الِاسْتِشْهَادِ الْإِلَهِيّ، بَلْ وَقُرِنَتْ بِشَهَادَةِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَشَهَادَةِ مَلَائِكَتِهِ الْكِرَام. فَمَنْ طَعَنَ فِي عَدَالَتِهِمْ وَأَسْقَطَهُمْ مُجْتَمِعِين، فَقَدْ جَعَلَ ذِكْرَ شَهَادَتِهِمْ فِي الْآيَةِ مَعَ شَهَادَةِ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ كَلَامًا بِلَا مَعْنَى!

ثُمَّ قِفْ طَوِيلًا عِنْدَ الْجُمْلَةِ الْخَاتِمَةِ الَّتِي تَنْسِفُ مَنْهَجَ الْغُلَاةِ مِنَ الْقَوَاعِد: «وَلِهَذَا لَا يُقْبَلُ قَدْحُ بَعْضِهِمْ فِي بَعْض».

إِنَّ صِنَاعَةَ الْحَدَّادِيَّةِ الْهَدْمِيَّةَ لَا تَقُومُ الْيَوْمَ إِلَّا عَلَى هَذَا الْبَابِ الْمُظْلِمِ (بَابِ كَلَامِ الْأَقْرَان)؛ فَهُمْ يُفْنُونَ أَعْمَارَهُمْ فِي نَبْشِ مَا قَالَهُ عَالِمٌ فِي عَالِمٍ آخَرَ إِبَّانَ مِحْنَةٍ أَوْ غَضْبَةٍ أَوْ خِلَاف، ثُمَّ يَبْنُونَ عَلَى هَذَا الْقَدْحِ التَّارِيخِيِّ الْمَبْتُورِ صَرْحًا لِإِسْقَاطِ الْإِمَام!

فَجَاءَ ابْنُ الْقَيِّمِ لِيُغْلِقَ هَذَا الْبَابَ بِالضَّبَّةِ وَالْمِفْتَاح، مُقَرِّرًا أَنَّ التَّزْكِيَةَ الْقُرْآنِيَّةَ الْقَطْعِيَّةَ لِأَئِمَّةِ الدِّينِ تَمْنَعُ قَبُولَ طَعْنِ بَعْضِهِمْ فِي بَعْض.

وَلِكَيْ لَا يَتَسَلَّلَ الْغُلَاةُ مِنْ بَابِ الْمِثَالِيَّةِ الْكَاذِبَة؛ دَفَعَ ابْنُ الْقَيِّمِ وَهْمًا خَبِيثًا يَقَعُونَ فِيه؛ إِذْ يَظُنُّونَ أَنَّ (الْعَالِمَ الْعَدْلَ) هُوَ الْمَلَكُ الْمَعْصُومُ الَّذِي لَا يَقَعُ فِي خَطَأٍ وَلَا زَلَّة! فَقَرَّرَ الْإِمَامُ أَنَّ الْعَالِمَ عَدْلٌ مُؤْتَمَنٌ عَلَى الدِّين، وَإِنْ وَقَعَ مِنْهُ خَطَأٌ أَوْ زَلَّة؛ فَإِنَّ الْخَطَأَ فِي الِاجْتِهَادِ لَا يُنَافِي أَصْلَ (الْعَدَالَة)، كَمَا أَنَّهُ لَا يُنَافِي (الْإِيمَانَ وَالْوِلَايَة).

فَيَا أَيُّهَا النَّبَّاشُ فِي خُصُومَاتِ الْأَقْرَان؛ اللَّهُ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ يَرْفَعُ ذِكْرَ الْعُلَمَاءِ وَيَقْرِنُ شَهَادَتَهُمْ بِشَهَادَةِ مَلَائِكَتِه، وَأَنْتَ تُمَرِّغُ أَسْمَاءَهُمْ فِي وَحْلِ التَّبْدِيعِ وَالْإِسْقَاط!

هَلْ تَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ يُزَكِّيهِمْ ثُمَّ يَكِلُ إِلَيْكَ إِسْقَاطَهُمْ بِنُقُولَاتٍ عَفَا عَلَيْهَا الزَّمَن؟!

اتَّقِ اللَّهَ فِي شُهُودِ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، وَاعْلَمْ أَنَّ نَبْشَكَ فِي كَلَامِ الْأَقْرَانِ لَنْ يُسْقِطَ مَقْعَدًا لِعَالِمٍ رَفَعَهُ الْقُرْآن، بَلْ سَيَعُودُ عَلَيْكَ بِالْخُسْرَانِ وَالنَّدَامَةِ بَيْنَ يَدَيْ دَيَّانِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض.