ابْنُ الْقَيِّم: التَّأْثِيمُ وَالتَّعْصِيمُ طَرَفَانِ جَائِرَانِ، وَقَصْدُ السَّبِيلِ بَيْنَهُمَا
قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّم: فَهَذَانِ طَرَفَانِ جَائِرَانِ عَنِ الْقَصْدِ، وَقَصْدُ السَّبِيلِ بَيْنَهُمَا، فَلَا نُؤَثِّمُ وَلَا نَعْصِم. وَإِنَّمَا يَتَنَافَيَانِ عِنْدَ أَحَدِ رَجُلَيْن: جَاهِلٍ بِمِقْدَارِ الْأَئِمَّةِ وَفَضْلِهِمْ، أَوْ جَاهِلٍ بِحَقِيقَةِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي بَعَثَ اللَّهُ بِهَا رَسُولَه.
البيانتَشْخِيصٌ سَلَفِيٌّ بَالِغُ الدِّقَّةِ، يَضَعُ الْإِصْبَعَ عَلَى الْجُرْحِ الدَّامِي، وَيُفَكِّكُ الْعَقْلِيَّةَ الْحَدَّادِيَّةَ تَحْلِيلًا يَقْطَعُ دَابِرَ الشُّبْهَة!
فَالْغُلَاةُ الْيَوْمَ يَعِيشُونَ فِي وَهْمِ (التَّضَادِّ الْمَوْهُومِ)؛ فَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّ نُصْرَةَ الْحَقِّ وَالْغَيْرَةَ عَلَيْهِ لَا تَجْتَمِعُ أَبَدًا مَعَ حِفْظِ مَقَامَاتِ الْأَئِمَّةِ الْمُخْطِئِينَ، وَأَنَّكَ مُضْطَرٌّ حَتْمًا لِاخْتِيَارِ أَحَدِهِمَا: فَإِمَّا أَنْ تُهْدِرَ كَرَامَةَ الْعَالِمِ لِتَنْصُرَ السُّنَّةَ، وَإِمَّا أَنْ تَحْفَظَ مَقَامَهُ لِتَكُونَ مُمَيِّعًا مُدَاهِنًا!
فَجَاءَ ابْنُ الْقَيِّمِ لِيَهْدِمَ هَذَا الْوَهْمَ قَائِلًا: «وَإِنَّمَا يَتَنَافَيَانِ عِنْدَ أَحَدِ رَجُلَيْنِ...»، فَالتَّنَاقُضُ بَيْنَ نُصْرَةِ السُّنَّةِ وَعُذْرِ الْإِمَامِ لَا يُوجَدُ فِي مِيزَانِ الشَّرْعِ، بَلْ يُوجَدُ فَقَطْ فِي عَقْلِ (الْجَاهِل).
ثُمَّ فَصَّلَ الْإِمَامُ هَذَا الْجَهْلَ إِلَى قِسْمَيْنِ، وَكِلَاهُمَا وَاللَّهِ تَرَاهُ مُتَجَسِّدًا بِعَيْنِكَ الْيَوْم: الْأَوَّل: جَاهِلٌ بِمِقْدَارِ الْأَئِمَّةِ وَفَضْلِهِمْ وَعَنَائِهِمْ فِي نُصْرَةِ الدِّينِ؛ وَلِهَذَا يَسْهُلُ عَلَى لِسَانِهِ الطَّعْنُ فِي كِبَارِ الْأُمَّةِ لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ مِنْ قَدْرِهِمْ إِلَّا مَا قَرَأَهُ فِي قُصَاصَاتِ الْجَرْحِ وَالتَّبْدِيعِ الْمَبْتُورَة. وَالثَّانِي: جَاهِلٌ بِحَقِيقَةِ الشَّرِيعَةِ السَّمْحَةِ وَمَقَاصِدِهَا؛ فَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ الشَّرِيعَةَ بُنِيَتْ عَلَى الْقَسْوَةِ وَالتَّنْكِيلِ بِالْمُخْطِئِ، فَيَحْسَبُ أَنَّ (الْعَدْلَ وَالْإِنْصَافَ) تَمْيِيعٌ، وَأَنَّ (الظُّلْمَ وَالتَّشْنِيعَ) غَيْرَةٌ وَسَلَفِيَّة!
فَاعْرِضْ نَفْسَكَ أَيُّهَا الْمُتَصَدِّرُ لِلتَّبْدِيعِ عَلَى هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ مِنَ الْجَهْلِ قَبْلَ أَنْ تَعْرِضَ عَلَيْهِمَا غَيْرَكَ؛ فَإِنَّ أَنْفَعَ النَّظَرِ مَا بَدَأَ بِهِ الْعَبْدُ فِي إِصْلَاحِ سَرِيرَتِه. فَسَلْ نَفْسَكَ: هَلْ أَنْتَ جَاهِلٌ بِحُقُوقِ الْأَئِمَّةِ وَفَضْلِهِمْ، أَمْ جَاهِلٌ بِرَحْمَةِ الشَّرِيعَةِ وَعَدْلِهَا؟!
اتَّقِ اللَّهَ، وَتَوَاضَعْ لِمَعْرِفَةِ قَدْرِ مَنْ سَبَقَكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ حَقِيقَةَ الشَّرِيعَةِ أَوْسَعُ وَأَرْحَمُ مِنْ صَدْرِكَ الضَّيِّقِ، وَأَنَّ الْجَهْلَ إِذَا اقْتَرَنَ بِالْهَوَى وَالْغُرُورِ أَهْلَكَ صَاحِبَه.
