رسالة إلى الحدادية · 82 من 89

وصيةُ ابن باز: يُترك خطأ العالم بلا ذمٍّ لعرضه ويقال «أخطأ وغفر الله له»

قال العلّامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز: اعرفوا فضل العلماء واستفيدوا منهم، واتركوا الخطأ الذي قام عليه الدليل ولو صدر من صحابي، من غير إساءة أدبٍ ولا ذمٍّ للعالم في عرضه؛ بل يُقالُ: أخطأ وغفر الله له.

البيانميزانٌ سلفيٌ شامل، يجمع بين التجرد للدليل وحفظ المقامات، ويرسم بوضوح أدب التعامل مع زلات الأكابر!

في هذا النص الوجيز، لخص الإمام ابن باز منهج أهل السنة في التعامل مع تراث الأمة في أربع خطواتٍ متدرجة لا تنفك عن بعضها: الأولى: (معرفة الفضل والاستفادة). فالأصل هو الانتفاع بعلم الأئمة ومعرفة قدرهم، لا إحراق كتبهم أو هجرهم كما يفعل الغلاة اليوم بمصنفات النووي وابن حجر وأبي حنيفة. الثانية: (ترك الخطأ ولو صدر من صحابي). وهنا يتجلى التجرد التام للحق؛ فنحن لا نتعصب لزلةِ عالمٍ كائناً من كان متى ما استبان الدليل، وهذا يقطع دابر دعوى "التمييع أو التقديس" الموهومة من أصلها.

ثم تأتي الخطوة الثالثة التي تفضح الحدادية وتكشف سوءتهم: (من غير إساءة أدبٍ ولا ذمٍّ للعالم في عرضه)! فالغالي يزعم أنه (يَترُكُ الخطأ غيرةً على السنة)، لكنه لا يتركه إلا وقد مزّق عرض العالِم، وأساء الأدب معه، وأخرجه من دائرة السنة! بينما يشترط إمام العصر أن يكون رد الخطأ مقروناً بالأدب وصيانة العرض.

وتكتمل اللوحة السلفية بالخطوة الرابعة، وهي الكلمة التي يجب أن تُنقش في قلب كل طالب علم: «بل يُقالُ: أخطأ وغفر الله له». فقط هكذا تتجلى السلفية: إثباتٌ للخطأ بلا مداهنة (أخطأ)، مشفوعٌ بالدعاء له بلا جفاء (وغفر الله له). أما في قاموس الحدادية فتُصاغ الجملة هكذا: "أخطأ، فهو مبتدعٌ جهميٌ ضالٌ يجب إسقاطه"! فشتان بين منهجٍ يرحم، ومنهجٍ يسحق.

فيا أيها المتسرع في ذم العلماء؛ هذا هو الإمام ابن باز الذي تحتج به، يعلمك أبجديات السلفية التي تدعيها! يعلمك أن اتباع الدليل لا يبيح لك بذاءة اللسان، وأن الرد على الخطأ لا يستلزم الطعن في العِرض.

فاتق الله، وهذّب لسانك، واعلم أن ذمّك لورثة الأنبياء وإساءة أدبك معهم بدعوى "نصرة السنة"، سيعود عليك بالخذلان المبين، وستقف غداً لتُسأل عن أعراضٍ نهشتها بسوء أدبك، متناسياً أن لحوم العلماء مسمومة.