رسالة إلى الحدادية · 14 من 89

«العلماءُ ورثةُ الأنبياء»: يستغفر للعالِم من في السماوات والأرض وأنتم تشتمونه

قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: وإنَّ العالمَ ليستغفرُ له مَن في السماوات ومَن في الأرض، حتى الحيتانُ في الماء، وفضلُ العالمِ على العابدِ كفضلِ القمرِ على سائرِ الكواكب، وإنَّ العلماءَ ورثةُ الأنبياء، وإنَّ الأنبياءَ لم يورِّثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورَّثوا العلمَ؛ فمن أخذه أخذ بحظٍّ وافر.

البيانقفوا وتأملوا هذا المشهد المهيب الذي ترتجف له القلوب:

انظروا بعين البصيرة إلى هذه المفارقة: أهل السماوات يستغفرون للعالم، وأهل الأرض يستغفرون له، حتى الحيتان في أعماق المحيطات المظلمة تلهج بالاستغفار له! الخلائق كلها، من العرش إلى الفرش، تطلب من الله أن يغفر للعالم زلته ويتجاوز عن خطيئته. ثم يأتي هذا "الحدادي" الغالي، فلا يجد عملاً في حياته إلا أن يجعل زلة العالم حبل مشنقةٍ يخنقه به! فيا سبحان الله! حيتان البحر وبهيمة الأنعام أعرفُ بحق العالم وحرمته من إنسانٍ امتلأ رأسه بألقاب الجرح والتعديل ولم يفقه يوماً معناها!

وتأملوا هذا الوصف النبوي البديع: «كفضل القمر على سائر الكواكب». العابد نجمٌ مشع، نعم.. لكن ضوءه محصورٌ لنفسه. أما العالم فقمرٌ منير يمشي الناس في ضيائه وسط دياجير الظلمات. وفي هذا التشبيه سرٌّ لطيف: ألا ترون القمر يصيبه الخسوف فيُظلم قليلاً، ثم سرعان ما يعود بدراً ساطعاً كما كان؟ كذلك العالم؛ تقع منه الزلة والوهم، ثم يعود نوره ويبقى فضله. فمن حكم على القمر ساعة خسوفه، وألغى نوره في بقية لياليه، فقد جاره وظلمه وأعمى بصره!

ثم قفوا عند قوله ﷺ: «ورثة الأنبياء». هنا إلزامٌ قاصم لا مهرب منه: الميراث لا يصل إلى الناس إلا عن طريق ورثته! فمن طعن في الورثة جميعاً، وأسقط أئمة الدين، فقد زعم بلسان حاله أن ميراث النبوة قد ضاع وانقطع. ومن زعم هذا فقد كذب وردّ قول الصادق المصدوق: «فمن أخذه أخذ بحظ وافر». وهنا ينكشف هؤلاء القوم وتُفضح سرائرهم: يزعمون أنهم يغارون على ميراث النبوة، وهم في الحقيقة يقطعون الأيدي الطاهرة التي حملته إلينا قرناً بعد قرن! فبالله عليكم.. هل وصلنا القرآن والسنة إلا على أكتاف هؤلاء الأطواد الذين يسقطونهم ويبدّعونهم اليوم؟

فإن انتفخ هذا الغالي وقال معتذراً: "أنا لا أطعن في كلهم، بل في بعضهم!" فقولوا له: انظر يا مسكين فيمن تطعن! إنهم شرّاح الصحيحين، وحفّاظ العلل، ونقلة الإجماع، وأصحاب الدواوين التي بين يديك والتي لا تفهم دينك إلا بها! فإذا أسقطت حملة الميراث، فمن أين وصلك الميراث؟ إن هذا الطاعن في ورثة الأنبياء كمثل أحمق يجلس على غصن شجرة فيقطعه بمنشاره.. يَظُنُّ بجهله أنه يُصلِّح الشجرة، وهو يهوي بنفسه إلى الهاوية!

أيها المغرور بهواه.. الحيتان في الماء تستغفر لمن تحاربه أنت! فانظر في أي الصفين اخترت أن تقف: في صف المستغفرين له، أم في صف الشانئين الطاعنين؟ ومن نام والخلائق كلها تستغفر لخصمه.. فهو المهزوم المخذول لا محالة.

فتداركوا أنفسكم أيها الناس، واجعلوا حظكم من علماء الأمة الاستغفار لهم، لا العدوان عليهم. فالاستغفار دأب الملائكة والحيتان، والطعن والتكفير والتبديع دأب إبليس وجنده.