«ليس من أمتي من لم يعرف لعالمنا حقَّه»: براءةُ النبوة من محتقري العلماء
قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ليس من أمتي من لم يُجِلَّ كبيرَنا، ويرحمْ صغيرَنا، ويعرفْ لعالمِنا حقَّه.
البيانأدنوا قليلاً وتأملوا هذا الوعيد النبوي الشديد، الذي ترتجف منه القلوب السليمة وتطير منه الألباب:
قال النبي ﷺ: «ليس من أمتي من لم يُجِلَّ كبيرَنا، ويرحمْ صغيرَنا، ويعرفْ لعالمِنا حقَّه».
فيا سبحان الله! ما سمع هذا الغالي وعيداً أشد ولا أقسى من هذا اللفظ القاطع: «ليس من أمتي». تأملوا.. لم يقل النبي ﷺ: قد أخطأ، ولا قال: أساء الأدب، بل نفى عنه شرف الانتساب إلى أمته! والعلماء يحملون هذا النفي على نفي الكمال الواجب الذي يُخاف على تاركه الهلاك. وأياً كان معناه؛ فليس بعد أن يتبرأ منك رسول الله ﷺ منزلةٌ يفرح بها عاقل، أو يرجوها مؤمن.
وانظروا كيف جمع الحديث بين خصالٍ ثلاث: إجلال الكبير، ورحمة الصغير، ومعرفة حق العالم. فجعل معرفة حق العالم قرينةً لرحمة الصغير وإجلال الكبير. فكما لا تقوم أمةٌ يأكل كبارها صغارها، لا تقوم أمةٌ يأكل جُهّالها علماءها! الأمة جسدٌ واحد، والعلماء رأس هذا الجسد.. والعجيب أن هؤلاء القوم لا يرون أنهم يقطعون في الرأس، بل يحسبون بجهلهم أن قطع الرأس حمايةٌ للجسد!
وتأملوا بدقة قوله ﷺ: «ويعرفْ لعالمنا حقه». لم يقل: يوافق عالمنا في كل مسألة! ولم يقل: يسكت عن زلته وخطئه! بل جعل الأساس "معرفة الحق"، والمعرفة عملُ قلبٍ يثمر توقيراً في اللسان وإجلالاً في الجوارح. فللعالم حقٌّ ثابت لا تسقطه زلة، كما أن للوالد حقاً محفوظاً لا يسقطه خطأٌ في التربية. ومن لم يَعرِفْ لأهل الفضل والإحسان إحسانهم، فتلك والله علامة لؤمٍ ومرضٍ في الطبع، لا علامة قوةٍ في المنهج ولا غيرةٍ على الدين!
والعجيب من قومٍ نصبوا أنفسهم حراساً للسنة، وأول ما نقضوا من السنة ومزقوه هو هذا الحديث ذاته! يجلس أحدهم في مجالس التبديع، فيحفظ من الطعون في الشيوخ والعلماء أكثر مما يحفظ من أذكار الصباح والمساء! ويتعلم كيف يُسقِطُ العالمَ ويهدمه، قبل أن يتعلم كيف يَعرِفُ له حقه وقدره! فأي انتسابٍ بقي لهؤلاء إلى أمةٍ، علّق نبيُّها ﷺ الانتساب إليها على خصلةٍ جعلوا هم نقضها وهدمها ديناً يُتقرب به؟
فإن انتفخ هذا الغالي وقال: "وهل يدخل في هذا الوعيد من ردَّ على عالمٍ خطأه وبيّن زلته لحماية الدين؟"
فالجواب القاطع: لا وحاشا! فقد ردَّ الأئمة والعلماء بعضهم على بعض منذ الصدر الأول، وما نقص ذلك من حقوقهم مثقال ذرة، لأن الرد بعلمٍ وإنصاف هو من أصل معرفة الحق. إنما ينزل الوعيد الشديد على من جعل الرد وسيلةً إلى الإسقاط، واتخذ "النصيحة" غطاءً للشماتة والتجريح.
فالفرق شاسعٌ والبون واسع.. بين طبيبٍ مشفقٍ ينظف الجرح ليلتئم ويبرأ، وشامتٍ حقودٍ يمزق الجرح ليتسع ويهلك أمة محمد ﷺ!
